هذا قَدْرُ الياسمين
بقلم: داليا سمير شحاتة
ليس كل ما هو جميل يحتاج إلى أن يلفت الأنظار، فهناك جمال يكتفي بأن يكون حاضرًا فيترك أثره دون ضجيج، وهناك أرواح تشبه الياسمين، لا تعرف كيف تؤذي، ولا تجيد سوى أن تمنح الحياة شيئًا من عطرها.
هذا قدر الياسمين... أن يزهر في هدوء، وأن يمنح عطره لكل من يقترب منه، دون أن يسأل من يستحق ومن لا يستحق. ينثر عبيره في الطريق، ويترك للريح حرية حمله إلى حيث تشاء، فلا يندم على عطر منحه، ولا يتوقف عن الإزهار لأن بعض العابرين لم يقدّروا جماله.
لكن هل يعني العطاء أن نظل نمنح بلا حدود؟ وهل تعني الرقة أن نسمح للآخرين بقطف أزهارنا دون أن يراعوا أغصاننا؟
لا أظن ذلك.
فحتى الياسمين يحتاج إلى أرض طيبة ترعاه، وماء يحييه، ويد حانية لا تكسر أغصانه. وكذلك الإنسان، مهما امتلك من طيبة القلب ونقاء الروح، يحتاج إلى من يقدّر حضوره، ويحترم مشاعره، ويعرف أن وراء ابتسامته قلبًا يستحق الرفق.
ليس النبل أن تستنزف نفسك لإسعاد الجميع، ولا الطيبة أن تتنازل عن حقك في الراحة، بل أن تحتفظ بنقاء قلبك دون أن تسمح لأحد أن يطفئ نورك، وأن تمنح بمحبة، وتبتعد بكرامة حين يصبح القرب وجعًا.
والياسمين لا يخاصم الفصول حين تتأخر أزهاره، ولا يكره الربيع إذا مرّ عليه الشتاء طويلًا، بل ينتظر موسمه في صبر، وكأنه يعرف أن لكل شيء أوانه، وأن الجمال الحقيقي لا يفقد قيمته لمجرد أنه تأخر في الظهور.
فكن كالياسمين... رقيقًا دون ضعف، كريمًا دون استنزاف، نقيًّا دون سذاجة، واترك في حياة الآخرين أثرًا يشبه عطرك، لكن لا تنسَ أن تمنح نفسك بعضًا من هذا العطر.
فليس مطلوبًا منك أن تزهر لكل العابرين، ولا أن تشرح لأحد لماذا تستحق التقدير.
هذا قدر الياسمين... أن يظل جميلًا دون أن يتوسل الجمال، وأن يترك عطره حيث مرّ، وأن يعرف أن قيمته لا تتوقف على من انتبه إليه، بل على حقيقة ما يحمله في داخله.
فبعض الأرواح خُلقت لتكون كالياسمين؛ لا ترفع صوتها لتُعرَف، ولا تتباهى بعطرها، لكنها حين تغيب... يعرف الجميع أن شيئًا جميلًا كان هنا.