كانوا يعبرون من أجل أن تبقى مصر
بقلم: داليا سمير شحاتة
لم تكن مصر يوم السادس من أكتوبر عام 1973 تنتظر معركة جديدة بقدر ما كانت تنتظر لحظة تستعيد فيها شيئا من روحها.
كان على ضفة القناة وطن جريح، وعلى الضفة الأخرى أرض تنتظر أصحابها. وبين الضفتين سنوات من الألم والانتظار والاستعداد.
كان هناك جنود يعرفون أن الطريق إلى الأرض لن يكون مفروشا بالورود، وأن العبور الحقيقي ليس عبور قناة من ماء، وإنما عبور من مرارة الهزيمة إلى يقين النصر.
وفي ذلك اليوم بدأت الحكاية.
لم يكن صوت المدافع مجرد صوت للحرب، بل كان كأنه إعلان بأن مصر التي ظن البعض أنها انكسرت، قد نهضت.
تقدمت القوارب تحمل رجالًا لم يكن أحد منهم يعرف ماذا تخبئ له الساعات القادمة. كان كل جندي يحمل سلاحه، ويحمل معه صورة أم أو زوجة أو طفل، ووصية لم يقلها ربما، وحلما صغيرا بأن يعود إلى البيت مرة أخرى.
وعندما ارتفع العلم المصري فوق أرض سيناء، لم يكن القماش وحده هو الذي ارتفع.
ارتفعت معه رؤوس المصريين.
عاد للوطن شيء من كبريائه، وعاد للجندي يقينه بأنه يستطيع، وعادت للأم التي ظلت تنتظر خلف النوافذ مساحة من الأمل.
ولأن الحروب لا يصنعها القادة وحدهم، فإن أكتوبر لم يكن حكاية أسماء كبيرة فقط.
كان حكاية ذلك الجندي الذي عبر وهو يعرف أن الرصاصة قد تسبقه إلى الشهادة.
وحكاية آخر حمل زميله المصاب ولم يتركه.
وحكاية أم أخفت دموعها حتى لا يضعف قلب ابنها.
وحكاية زوجة قالت لزوجها: "ارجع لي"، ثم تركته يذهب وهي لا تعرف إن كانت ستراه مرة أخرى.
وحكاية أب ظل يحتفظ بصورة ابنه في صدره، ويؤمن أن الذين يذهبون من أجل الوطن لا يغيبون تماما.
هناك أبطال لم تكتب الصحف أسماءهم، ولم تحفظ الكتب تفاصيل حكاياتهم، لكن التاريخ لا يحتاج دائما إلى أن يعرف أسماء الأبطال كي يحفظ أثرهم.
يكفي أنهم كانوا هناك.
يكفي أنهم عندما ناداهم الوطن لم يسألوا: ماذا سأحصل في المقابل؟
بل سألوا: ماذا يمكنني أن أقدم؟
وهنا تكمن عظمة أكتوبر.
فالنصر لم يكن استرداد أمتار من الأرض فقط، بل كان استردادا للثقة.
أن يعرف الإنسان أن الهزيمة مهما كانت قاسية ليست نهاية الحكاية.
وأن الجرح مهما طال يمكن أن يلتئم.
وأن الوطن الذي يحبه أبناؤه لا يظل واقفا أمام الألم إلى الأبد.
لقد أثبت رجال أكتوبر أن التاريخ لا يصنعه الذين ينتظرون تغير الظروف، وإنما الذين يقررون أن يكونوا هم جزءا من التغيير.
ولذلك كلما جاء أكتوبر، لا ينبغي لنا أن نتذكر الحرب باعتبارها حدثا مضى وانتهى.
ينبغي أن نتذكر الإنسان الذي كان خلف هذا النصر.
نتذكر الجندي الذي خرج من بيته ولم يكن يعرف هل سيعود.
نتذكر الأم التي كانت تصلي.
نتذكر الزوجة التي كانت تنتظر.
نتذكر الأب الذي كان يخفي خوفه حتى لا يخيف أبناءه.
نتذكر كل يد رفعت حجرا، وكل عين سهرت، وكل قلب دعا، وكل روح دفعت أغلى ما تملك ثمنا لكي تبقى مصر.
لقد عبروا من أجل الأرض، نعم.
لكنهم عبروا أيضا من أجل معنى أكبر.
من أجل أن يبقى الوطن قادرا على النهوض كلما ظن أحد أنه سقط.
من أجل أن يتعلم أبناؤنا أن الكرامة ليست كلمة نرددها في المناسبات، وإنما مسؤولية نحملها.
ومن أجل أن نفهم أن الوطن لا يعيش فقط بحدوده وجغرافيته، وإنما يعيش في ذاكرة أبنائه وفي قدرتهم على حمايته وحفظه وبناء مستقبله.
رحم الله شهداء أكتوبر.
وتحية لكل جندي حمل سلاحه في ذلك اليوم، ولكل أم انتظرت، ولكل بيت عاش على الدعاء، ولكل بطل لم يصل اسمه إلى صفحات الكتب لكنه ترك اسمه في قلب مصر.
وفي كل مرة نرفع فيها أعيننا إلى علم مصر، لنتذكر أنهم لم يعبروا من أجل أن نحتفل بيوم في السنة.
كانوا يعبرون من أجل أن تبقى مصر.
ومن أجل أن نعرف نحن، بعد أكثر من نصف قرن، أن هذا الوطن قد يتعب، وقد ينكسر قلبه، وقد يطول عليه الطريق...
لكنه إذا آمن بأبنائه، فإنه يعرف دائما كيف يعبر.