الأمم المتحدة تشهد انسحابات متبادلة.. 77 وفداً أمام نتنياهو وأمريكا ترد على إيران
إعداد: شهاب محمد جلال
لم تكن اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد منصة للخطب السياسية، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى مسرح لمشاهد دبلوماسية لافتة، كان أبرزها مغادرة وفود قاعة الجمعية العامة في توقيتات متباينة، تزامنًا مع كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبين انسحاب الوفد الإيراني أثناء كلمة ترامب، ومغادرة الممثل الأمريكي خلال كلمة بزشكيان، وصولًا إلى خروج عشرات الوفود مع صعود نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة، بدت القاعة وكأنها تعكس حجم التوتر السياسي الذي يحيط بالاجتماعات الأممية هذا العام.
البداية.. الوفد الإيراني يغادر أثناء كلمة ترامب
بدأت مشاهد الانسحاب المتبادل يوم الأربعاء 23 سبتمبر، عندما غادر أعضاء الوفد الإيراني قاعة الجمعية العامة أثناء كلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووفق تقارير صحفية، جاء الانسحاب عندما انتقل ترامب في خطابه إلى الحديث عن إيران والحرب الدائرة بين البلدين، فيما بقي دبلوماسي إيراني واحد من المستوى الأدنى في مقعد بلاده طوال الخطاب.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي خارج القاعة في أثناء كلمة ترامب، رغم وجودهما في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة.
وبعدها بساعات.. أمريكا تغادر كلمة الرئيس الإيراني
المشهد لم يتوقف عند الجانب الإيراني.
فعندما اعتلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منصة الجمعية العامة في اليوم التالي، غادر الممثل الأمريكي القاعة بعد دقائق من بدء الكلمة، في خطوة بدت بمثابة رد دبلوماسي على الانسحاب الإيراني السابق.
وخلال خطابه، وجه بزشكيان انتقادات حادة للولايات المتحدة، واتهمها بممارسة ما وصفه بالإرهاب ضد بلاده، كما تحدث عن الحرب والتوترات بين طهران وواشنطن.
وبذلك شهدت الجمعية العامة مشهدًا نادرًا من الانسحاب المتبادل: الوفد الإيراني يغادر خلال كلمة ترامب، ثم ممثل الولايات المتحدة يغادر خلال كلمة بزشكيان.
المشهد الأكبر.. قاعة الأمم المتحدة تتحرك مع صعود نتنياهو
لكن المشهد الأكثر لفتًا للأنظار جاء الخميس 24 سبتمبر، عندما صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة لإلقاء كلمته.
ومع بدء الخطاب، غادرت عشرات الوفود القاعة، وسط مشاهد أظهرت ممثلين ودبلوماسيين وهم يتركون مقاعدهم ويتجهون إلى خارج القاعة.
وأكدت وكالة رويترز أن عشرات المندوبين غادروا القاعة مع بدء نتنياهو كلمته، بينما أظهرت الصور صفوفًا من المقاعد وقد خلت من عدد كبير من أصحابها.
وبحسب رصد إسرائيلي نُشر لاحقًا، بلغ عدد الدول التي كانت وفودها غائبة أو غادرت مع بداية الخطاب 77 دولة، من بينها مصر والأردن والسعودية وتركيا وإيران ودول أخرى.
لكن هذا الرقم تحديدًا يُنسب إلى الرصد الإسرائيلي، بينما الوكالات الدولية مثل رويترز استخدمت وصف «عشرات الوفود» ولم تقدمه باعتباره رقمًا رسميًا صادرًا عن الأمم المتحدة.
نتنياهو يرد على المنسحبين
لم يمر المشهد دون رد من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
فمع استمرار مغادرة الوفود، وصف نتنياهو من تركوا القاعة بأنهم «جبناء أخلاقيًا»، وطالب من يتبنى الموقف نفسه بالمغادرة أيضًا.
وقال خلال خطابه إن إسرائيل، بحسب روايته، تدافع عن عدد من الدول التي غادر ممثلوها القاعة، مضيفًا أن بعض قادة تلك الدول يشكرون إسرائيل سرًا على تحركاتها ضد إيران.
وردت داخل القاعة هتافات مؤيدة لنتنياهو من أعضاء وفده وأنصاره، بينما طالب رئيس الجمعية العامة بالهدوء والنظام أكثر من مرة.
لماذا أصبحت القاعة ساحة للرسائل السياسية؟
ما حدث في الجمعية العامة يعكس جانبًا من حدة الخلافات الدولية التي أحاطت بالدورة الحالية، خصوصًا مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والحرب الإسرائيلية في غزة، وتصاعد الخلافات بشأن مستقبل المنطقة.
فالانسحاب الدبلوماسي من قاعة الأمم المتحدة لا يعني بالضرورة موقفًا موحدًا من جميع القضايا، لكنه يمثل في حد ذاته رسالة سياسية علنية تختار بعض الوفود إيصالها من خلال الحضور أو المغادرة.
وفي المقابل، اختارت دول أخرى البقاء داخل القاعة والاستماع إلى الكلمات، وهو ما يؤكد وجود تباين واضح بين مواقف الدول تجاه الملفات المطروحة.
ثلاثة مشاهد.. ورسالة واحدة عن حجم الانقسام
خلال أيام قليلة، شهدت الجمعية العامة ثلاثة مشاهد متتابعة:
الوفد الإيراني يغادر كلمة ترامب.
الممثل الأمريكي يغادر كلمة بزشكيان.
وعشرات الوفود تغادر مع بدء كلمة نتنياهو.
وبعيدًا عن المواقف السياسية لكل طرف، فإن هذه المشاهد حولت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى صورة واضحة عن حجم الاستقطاب الدولي الحالي، حيث لم تعد الخلافات تُعبّر عنها الكلمات فقط، وإنما ظهرت أيضًا في المقاعد التي خلت، والوفود التي اختارت مغادرة القاعة في لحظة بعينها.