recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

بقلم استاذ دكتور حسام البرومبلي بوابه الجمهوريه الجديده شبكه اعلام مصر

*"عمارة النسيان"* 
. عن هوية فقدت، ومكان بلا عنوان.
الجدران هنا لا تتذكر الألوان التي طلتها.  
والأبواب تُقفل على فراغ، وتفتح على فراغٍ أكبر.  
هذا المبنى اسمه *عمارة النسيان*.  
في الطابق السابع، شقة بلا رقم.  
داخلها هوية مرمية على الطاولة.  
صورة باهتة، ملامحها ممحوة كأن أحدهم مسحها بإبهامٍ رطب.  
تحتها بصمة حبر... وحيدة... تبحث عن إصبع لم يعد موجوداً.
 بصمة بلا صاحب 
البصمة على الورق كجثة في مشرحة.  
كل الخطوط واضحة، دواماتها دقيقة، تاريخها مسجل.  
لكن لا أحد يأتي ليقول: "هذه لي".  
البصمة تبكي حبراً أسود، لأنها تعرف الحقيقة:  
أن تكون واضحاً جداً، ولا يملك أحد... أقسى من أن تكون مجهولاً.  
 ملامح لا توضح صاحبها
وقفت أمام المرآة المكسورة.  
رأيت نصف وجه. النصف الآخر سرقه الغبار.  
عينٌ تتذكر، وعينٌ نسيت كيف تنظر.  
الفم يتحرك، لكن لا صوت يخرج.  
لأن الاسم... الاسم سقط مني في مصعد العمارة.  
ومن يومها، والمصعد عالق بين طابقين:  
طابق "كنتُ"، وطابق "صرتُ لا أحد".
*مكان بلا عنوان*  
اسأل ساعي البريد: "أين تسكن؟"  
أشير إلى السماء.  
اسأل الخريطة: "أين أنت؟"  
الخريطة تضع إصبعها على البحر، وتقول: "هنا لا شيء".  
عمارتي ليس لها شارع. ليس لها جار.  
لها فقط صداها.  
وكلما ناديت اسمي داخل الدرج،  
يرجع لي صوت شخص آخر... لا أعرفه.  
العمارة تتذكر الجميع إلا أنا.  
تذكر امرأة كانت تزرع نعناعاً بالبلكونة .  
تذكر طفلاً كسر زجاج الدرج بكرة قدم.  
تذكر حتى البصمة التي على الجدار بجانب الزر.  
إلا أنا.  
أنا المار الذي لا يترك أثراً.  
أنا الساكن الشبح.  
أدفع الإيجار بالصمت.  
يقولون: "الهوية بطاقة".  
كذبوا.  
الهوية رائحة قهوة أمى بالصباح.  
الهوية خدش في باب غرفتة وأنا صغير.  
الهوية جار يعرف أنك تحب الشباك المفتوح شتاءً.  
أنا فقدت كل هذا.  
فصرت عنواناً ناقصاً في كتاب المدينة.  
أبحث عني في الأدراج.  
أبحث عني في الصور القديمة.  
أبحث عني في عيون الناس بالشارع، لعل أحدهم يقول: "تذكرتك".  
لكن الكل يمر.  
والمدينة تبني أبراجاً جديدة فوق قبري... وأنا حي. 
جلست على أرض الشقة الفارغة.  
البصمة بجانبي.  
المرآة أمامي.  
والعمارة تصغي.  
قلت بصوت لا يسمعه إلا الغبار:  
"ربما أنا لست مفقوداً...  
ربما أنا كنت دائماً نسخة احتياطية لشخص لم يولد بعد."  
اليوم، كتبت على الباب:  
*"هنا يسكن: لا أحد"*  
ومنذ ذلك اليوم...  
صرتُ حراً.  
لأن من لا اسم له، لا يستطيع أحد أن يطرده.  
ومن لا عنوان له، لا يستطيع أحد أن يضيّعه مرتين.

البصمة على الورق جفت.  
لكنها أخيراً... ابتسمت.

هذي كلمات لشخص ضاع منه المكان والاسم والذاكرة... لكنه وجد نفسه في الضياع نفسه.

عن الكاتب

بوابة الجمهوريه الجديدة شبكه اعلام مصر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا