recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

بقلم العالم الكبير استاذ دكتور حسام البرومبلي بوابه الجمهوريه الجديده شبكه اعلام مصر

ألفة الانسان فى رحم العمارة
اد/ حسام الرمبلى

كانَ الجدارُ يرتفعُ كأنهُ امتدادٌ خفيّ لضلوعِهِ، وكانَ الطينُ المفطورُ بـالبركةِ يفوحُ برائحةِ الأرضِ بـعد أولِ مطر؛ كأنما هو النسيجُ الوجدانيّ الشامل الذي وُلِد منه الإنسانُ أولَ مرة. في تلك المساحةِ الصامتة من الفراغِ، لم يكن "آدم" يرى في مسكنِهِ مجردَ أحجارٍ مصفوفة لـتحميهِ من زمهريرِ الشتاءِ أو عوادي البرية الشاقة ، بل كانَ يرى فيه شريكاً وجدانيّاً، وملاذاً مفعماً بـالألفة السامية والسكينة الباطنية الخالصة. لقد كانت العلاقةُ بينهما علاقةَ تلازمٍ بيولوجيّ ونفسيّ لا ينقطعُ؛ هو يمنحُ المكانَ روحَهُ وعقيدتَهُ وثقافتَهُ البصرية، والمكانُ يعودُ لـيردّ لَهُ الأمانَ والاحتواءَ بـالكاملِ، بـلسماً يداوي جراحَ سعيهِ الكادح وسط زحامِ الحياةِ 
في كل صباح، عندما كان ميثاقُ الضوءِ الكونيّ يتسللُ من نوافذهِ، كان يشعرُ بـأنّ النورَ الطبيعيّ يغسلُ عتمةَ صدرِهِ ويطردُ مخاوفَ الغدِ، واهباً لـروحِهِ طاقةً من الانتماء العميم والاتساع البصريّ المذهل. كان البيتُ يعرفُ احتياجاتِهِ الصامتة ويحتويه برفق؛ فـحينما يثقلهُ صخبُ العصرِ وضوضاء المدينة الطفيلية المزعجة، يلوذُ بـجدرانهِ لـيجدَ في أحضانها "التحصينَ السمعيَّ المطلق" والراحة الفطرية النقية. لم يكن الأثاثُ متكدساً لـيخنقَ مسامَ الفراغ المعماريّ، بل كانَ متخففاً بـبساطةٍ بليغة ونقاءٍ صفاء كاملين لـيتركَ لـلروحِ حريةَ التوحد مع المكان 
إنها الألفةُ الباطنية التي جعلت من المسكنِ "عضوية حية متفاعلة"، تزيدُ وقاراً وقيمةً وقدرة على احتواء المشاعر مع كل إشراقة شمس جديدة . كان "آدم" يضعُ كفَّهُ فوق الجدارِ الجاف، فـيستشعرُ نبضَ المادة الفطريةِ تحت أصابعِهِ؛ كأن الجدارَ يهمسُ لَهُ بـيقينٍ كامل: "أنا هنا لـأصونَ سريرتَكَ، ولـأكونَ وطناً يولد في أحضانه انتماؤك العابر للأجيال" .وفي خلواتِ الليلِ الصامتة، حيثُ تخفتُ الإضاءةُ وتتبدلُ طيفيّاً نحو درجات السكون الدافئة .، كان يغلقُ عينيهِ مطمئناً، مدركاً أن البقاءَ والاستقرارَ الحقيقيّ في الحياة لا يصنعه الركضُ وراء السراب المادي الجاف، بل تصنعه عمارةٌ تفيضُ بـالبركةِ والسلام والتآلف الإدراك التكيفيّ الشامل بـالمنتهى وبـالتمام والكمال.
وفي ذاتِ ليلةٍ شتويّةٍ عاصفة، جلسَ "آدم" يرقبُ من وراءِ زجاجِهِ النانويّ الذكيّ غضَبَ الطبيعةِ بـخارجِ غلافِ المرفق. كانت الرياحُ تصفرُ بـقسوة، وحباتُ المطرِ تضربُ بقوةٍ كواسرَ الظلالِ الخارجيّة. وفي تلك اللحظةِ المباغتةِ، انقطعت إضاءةُ المدينةِ بـأكملِها، وغرقت الشوارعُ في عتمةٍ موحشةٍ وفزعٍ عام؛ لكنَّ مسكنَهُ لم يستسلمْ لـلظلامِ ولم يتركهُ وحيداً.
تنفّسَ البيتُ سيبرانيّاً من خلال جهازِهِ العصبيّ المفكر وعقلِهِ الخوارزميِّ الحاكم . وفور رصدِ انقطاعِ التيارِ وتذبذبِ الأحمالِ، لم يَنتظرْ أمراً بشريّاً ؛ بل قامت مصفوفاتُ التوازنِ الطاقيِّ بـالتحولِ التلقائيّ وبـالعزلِ التام نحو بطارياتِ الليثيوم والشبكاتِ المصغرةِ اللامركزية، المغذاةِ بـطاقةِ الشمسِ ذاتيةِ الدفع . تبدّلت الإضاءةُ في الفراغِ المعماريِّ لحظيّاً وبـعفويةٍ فائقة نحو درجاتِ السكونِ الدافئة النقيّة.
وفاحَ في أركانِ الغرفةِ رذاذٌ لطيفٌ من زيتِ اللافندر الطبيعيِّ العطر، المنبعثِ تلقائياً من الفواحةِ الذكية؛ لـيطردَ بواكرَ التوترِ العصبيِّ ويحمي الفراغَ من أمراضِ الأبنيةِ المريضة. شعرَ "آدم" بـدفءٍ حانٍ يتدفقُ عبرَ جدرانِ الأيروجيل والموادِّ متغيرةِ الطور، التي امتصتْ حرارةَ النهارِ لـتطلقَها رفقاً بـجسدِهِ في بردِ الليل .
أسندَ رأسَهُ إلى الجدارِ الطينيِّ المطاطِ الحنون ، وأصغتْ حواسُهُ لـكتمِ الضوضاء الصارم والتحصينِ السمعيِّ المطلق الذي يفصلُهُ عن صخبِ العاصفةِ المزعجِ بـالخارج. لم يكن يشعرُ بـالعزلةِ، بل بـاحتواءٍ كاسحٍ وأمانٍ يفيضُ بـالسكينةِ والبركةِ والرفاهية.
ابتسمَ "آدم" في سكونِ الليلِ، ووضعَ كفَّهُ فوق جمادِ الحائطِ النامي، وهمسَ لَهُ بـيقينٍ كامل وطمأنينةٍ روحيّةٍ عميقة: "أنتَ لستَ مكاناً آوي إليهِ عندَ التعب؛ أنتَ الشريكُ الوجدانيُّ الذي يمسحُ وعثاءَ الطريقِ، والوطنُ النابضُ الذي يحمي بقائي واستقراري لـقرون مع كل إشراقة شمس جديدة، بـالمنتهى وبـالتمام والكمال".

عن الكاتب

بوابة الجمهوريه الجديدة شبكه اعلام مصر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا