(على موجة الحب والذاكرة)
بقلم : أميرة محمود
(أثير الذكريات القديمة)
في تلك الغرفة الصغيرة المضاءة بنور خافت كانت تفاصيل الإذاعة المصرية القديمة تملأ الأركان وصوت المذيع ينساب عبر أثير الراديو الخشبي العتيق ليعلن عن :
بدء الاحتفال بعيد الإذاعة الثاني والتسعين كانت (نادية ) تجلس بجوار النافذة تتأمل الشوارع الهادئة وفي يدها فنجان قهوة دافئ بينما كان صوت الشرق الأوسط يذكرها بأيام مضت وأحلام نسجتها مع رجل غادر البلاد ولم يغادر قلبها قط تسعة أعوام مرت على هذا الأثير الذي طالما جمع القلوب وكان شاهدا على حكايات الحب والوجع في كل بيت مصري أصيل و (نادية ) تشعر أن روحها معلقة بتلك الموجات التي تحمل دائما صدى صوته الغائب .
( نبرة تعبر البحار )
على الجانب الآخر من المدينة وفي إحدى استوديوهات ماسبيرو العريقة كان (شريف ) يقف خلف الميكروفون بقلب ينبض بالاشتياق لقد عاد إلى مصر بعد سنوات غربة طويلة ليقدم حلقة استثنائية احتفاء بهذه المناسبة الغالية على قلبه كان يدرك أن ( نادية ) لم تغير عادتها أبدا وأنها في هذه اللحظة تحديدا تستمع إلى الراديو وتبحث بين النبرات عن أمان قديم بدأ (شريف) يتحدث عبر الأثير بكلمات تتدفق رقيا وعاطفة ليعبر عن قيمة الصوت الذي لا يموت وعن الرسائل التي تعبر البحار لتستقر في قلوب من نحب وكان يوجه حديثه للجميع لكنه في الحقيقة كان يغزل رسالة سرية لامرأة واحدة .
(لحن الوفاء العائد)
انسابت الدموع من عيني (نادية) عندما سمعت تلك النبرة المميزة التي لا يمكن لسنوات البعد أن تمحوها من ذاكرتها كان (شريف) يتحدث عن الوفاء والذكريات وعن الحب الذي يصمد كما صمدت الإذاعة المصرية طوال اثنين وتسعين عاما تنشر الدفء والأمل في قلوب المستمعين شعرت( نادية) بأن كل كلمة ينطق بها هي لمسة حانية على قلبها المتعب وأدركت أن الغربة لم تغيره وأنه عاد ليعيد إحياء ذلك اللحن القديم الذي بدأ يتردد في أرجاء غرفتها وكأن الراديو تحول إلى جسر سحري يربط بين روحيهما في لحظة من أصدق لحظات العمر .
(عندما ينبض الواقع)
انتهت الحلقة الإذاعية لكن الأثير لم ينقطع عن بث الأمل في نفس نادية التي لم تكد تستوعب المفاجأة حتى سمعت طرقات رقيقة على باب بيتها فتحت الباب لتجده واقفا أمامها وعيناه تغمران بالحب والاشتياق ويحمل في يده وردا أحمر وصورة قديمة لهما خلف ميكروفون الإذاعة في أيام الشباب التقت الأعين في صمت بليغ يفوق كل الكلمات وتلاشت كل سنوات الفراق في غمرة تلك اللحظة التي أثبتت أن الحب الحقيقي :
( كالأثير الأصيل لا ينقطع إرساله مهما طال الزمن ومهما بعدت المسافات) .
وفي تلك الليلة الدافئة من ليالي القاهرة احتفلت الإذاعة المصرية بعيدها (الثاني والتسعين) بينما احتفل قلبا (شريف ونادية ) بولادة جديدة لحب صمد في وجه السنين ليبقى صوتهما معا نغما خالدا يتردد في فضاء العشق رقة وجمالا .
( كل عام والإذاعة المصرية في عيدها الثاني والتسعين بخير )
وافر تحياتي 🍒