حين نصمت… يكون ذلك أقرب إلى الإيمان
✍️ داليا سمير
في كل مرة تهتز فيها القلوب على وقع حادثة مؤلمة، يتكرر المشهد ذاته:
ضجيجٌ عالٍ من الأحكام، وسباقٌ محموم لتحديد المصير، وكأن بعض الناس نُصّبوا أنفسهم قضاةً على أرواحٍ لم يخلقوها، ولم يحملوا عنها يومًا ثقل ما عاشت.
حادثةٌ واحدة… لكنها كشفت شيئًا أكبر من تفاصيلها:
كشفت كيف أصبح إصدار الأحكام عند البعض أسهل من بذل الرحمة،
وكيف ضاق صدر الإنسان بالإنسان، بينما وسعت رحمة الله كل شيء.
نقرأ في كتاب الله مواقف الأنبياء، فنجد العجب:
هذا نبيّ الله يقول في قومٍ خالفوه وعصوه:
"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم"،
وذاك يردّ الأمر كله إلى الله:
"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"،
وآخر يعلنها واضحة:
"إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون".
لم يُغلقوا بابًا، ولم يجزموا بمصير،
بل وقفوا عند حدّ العبودية… حيث تقف المعرفة، وتبدأ الحكمة.
فما بالُ أقوامٍ اليوم يتجرأون على ما تهيّب منه الأنبياء؟
يمنحون الجنة لمن شاؤوا، ويقذفون بالنار من شاؤوا،
كأنهم يملكون مفاتيح الغيب، أو اطّلعوا على خفايا القلوب!
إن أعظم ما يُبتلى به الإنسان ليس الخطأ…
بل القسوة التي تجعله يرى خطأ غيره دون أن يرى إنسانيته،
ودون أن يتخيل حجم الألم الذي قد يدفع روحًا إلى حافةٍ لا تُرى.
لسنا هنا لنبرر فعلًا، ولا لنهوّن من خطأ،
لكننا – قبل كل شيء – بشر،
وأول ما يجب أن نحفظه في إنسانيتنا هو الرحمة.
انتقد ما تشاء من الأفعال والأفكار،
لكن قِف… حين تصل إلى مصائر الخلق،
فذلك مقامٌ ليس لك،
وحكمٌ ليس إليك،
وبابٌ لم يُفتح لك أصلًا.
دع الحكم لمن بيده الحكم،
فهو أعلم بالسرائر،
وأرحم بالضعفاء،
وأعدل ممن يظنون أنهم يعدلون.
أحيانًا…
لا يكون الصمت عجزًا،