إلى المسرح ذلك السحر الذي جاءني متأخرًا، لكنه جاء كما لو أنه كان ينتظرني طوال الوقت لم أكن من جمهور المسرح القديم،
لم أكبر بين المقاعد المخملية،ولا حفظت أسماء العروض عن ظهر قلب،ولا عرفت منذ البداية،أن هناك فنًا يستطيع أن يهز الروح بهذه الطريقة.
لكنني حين دخلته لم أدخل مكانًا تُعرض فيه حكاية،بل دخلت عالمًا آخر بالكامل،عالمًا لا يشبه الخارج،ولا يشبه الزيف الذي اعتدناه،
ولا يشبه ذلك الفن الذي يمكن إعادته أو تصحيحه أو تجميله بالمونتاج.
هناك، على خشبة المسرح،يقف الإنسان عاريًا إلا من موهبته
وصادقًا إلا من خوفه،وحقيقيًا إلى حد مرعب.
هناك تفهم جيدًا أن الممثل الذي أمامك
لا يؤدي دورًا فقط،بل يحمل على كتفيه تعب البروفات،وارتباك البداية،وسهر الليالي،وانكسارات المحاولة الأولى،وإصرار المحاولة العاشرة،حتى يصل إليك في لحظة واحدة كأن كل هذا العناء لم يكن.
وهنا تكمن المعجزة.
المسرح لا يمنحك فنًا جاهزًا،بل يمنحك جهدًا حيًا،أنفاسًا حقيقية
نظرة لا تُعاد مرتين بنفس الصدق،ورعشة صوت قد تُولد وتموت في اللحظة نفسها لكنها تترك أثرها فيك للأبد.
في المسرح لا ترى ممثلًا وحسب،بل ترى إنسانًا يقف أمامك
ليُقنعك بشخص ليس هو،فيُدهشك أكثر
حين يجعلك تصدق أن هذا الشخص قد عاش بداخله فعلًا.
ولهذا فخشبة المسرح لها هيبة لا تُشبه أي فن آخر.
هي ليست مجرد مساحة للعرض،بل امتحان كامل للموهبة،للحضور،
للصدق،للانضباط،وللروح التي لا ترتجف رغم رهبة المواجهة.
ومن يخرج إلى الكاميرا وفي خلفيته خشبة المسرح،فهو لا يأتي كمجرد ممثل،بل يأتي محملًا بمعنى الممثل الحقيقي.
ذلك الذي يعرف كيف يملأ الفراغ،كيف يصنع الإيقاع،كيف يملك الجسد والصوت والنظرة،وكيف يجعل الفن مسؤولية لا مجرد ظهور.
المسرح علمني في وقت قصير،أن الفن ليس فقط ما نراه،بل ما نشعر به ونحن نراه،أن التمثيل ليس حفظ كلمات،بل إيمان كامل بما يُقال،حتى نؤمن نحن أيضًا.
وكم هو مدهش أنك حين تدخل المسرح
تترك نفسك عند الباب،ثم تجدها جالسة أمامك على الخشبة
في مشهد،أو جملة،أو صمت،أو نظرة عابرة من ممثل يعرف جيدًا
كيف يلمس قلبك دون أن يعرف اسمك.
أنا لم أحب المسرح لأنني ذهبت لأتفرج فقط،بل لأنني ذهبت فوجدتني،وجدت داخلي ذلك الانبهار القديم
الذي نظن أننا فقدناه،ووجدت معنى الاجتهاد الحقيقي،ومعنى أن يقف فنان أمامك،ويمنحك قطعة من عمره في ساعتين من الصدق.
في اليوم العالمي للمسرح
أقولها بصدق من دخل هذا العالم متأخرًا
لكن قلبه تعلق به سريعًا المسرح ليس مجرد فن
المسرح روح،روح لا يفهمها إلا عاشقها،ولا يشعر بحرارتها
إلا من دخل إليها بنية الإنصات لا بنية الظهور،وبقلب مستعد لأن يُدهش،لا بعين تبحث عن فرجة عابرة.
المسرح ليس مكانًا نذهب إليه لنملأ وقتًا،بل مكانًا نذهب إليه
لنمتلئ نحن.
كل التحية لكل ممثل يعرف أن الخشبة ليست أرضًا فقط
بل مقام،ولكل مخرج يعرف أن المشهد ليس صورة
بل حياة تُبنى أمام الناس،ولكل كاتب يدرك أن الحوار على المسرح
قد يكون أصدق من ألف حديث في الواقع.
تحية لهذا الفن الذي لا يزال قادرًا على أن يجعلنا نؤمن
أن الصدق ما زال ممكنًا.
كل الحب لهذا السحر النبيل❤️❤️
#اليوم_العالمي_للمسرح_2026
#عاشقة_المسرح