منى فتحي تكتب
« وصية جدو»
الوصية التي لم تُقسم الميراث فقط بل منحت ذوي الهمم مساحة البطولة.
لا يكتفي مسلسل «وصية جدو» بأن يقدم حكاية عائلية خفيفة الظل، بل يفتح قلبه منذ البداية لأبطال من ذوي الهمم، في خطوة تمنح العمل معناه الأجمل وقيمته الأعمق هنا لا يظهر ذوو الهمم بوصفهم تفصيلًا جانبيًا داخل المشهد، بل كجزء حقيقي من روح الحكاية، وكأصحاب موهبة تستحق أن تُرى وتُحتفى بها. وبين حضور نجوم العمل الكبار، تبرز هذه المشاركة كأحد أكثر ملامح المسلسل إنسانية وصدقًا، ليؤكد «وصية جدو» أن الفن حين يكون عادلًا يصبح أكثر جمالًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى القلب.
في زمن تزدحم فيه الشاشات بالأعمال التي تبحث عن الضحك السريع أو الإثارة السهلة، يطل مسلسل «وصية جدو» بوصفه تجربة مختلفة لا لأنه يختار الكوميديا العائلية إطارًا لحكايته فحسب، بل لأنه يضع داخل هذا الإطار قلبًا إنسانيًا نابضًا، ورسالة أعمق بكثير من مجرد التسلية تدور فكرة العمل حول جد يترك وصية لأحفاده بعد رحيله، لكن هذه الوصية لا تقتصر على توزيع الميراث، بل تتحول إلى اختبار أخلاقي وعاطفي يكشف ما خفي داخل العائلة، ويضع كل فرد أمام مهمة خاصة لا بد أن ينجزها كي يستحق نصيبه وكأن الميراث هنا ليس مالًا فقط، بل مواجهة مع النفس، ومع الأسرار، ومع ما تبقى من روابط الدم حين تُختبر هذه هي الحبكة المتداولة للعمل في قواعد البيانات الفنية
لكن ما يمنح «وصية جدو» خصوصيته الحقيقية ليس الفكرة وحدها، بل الروح التي كُتب بها
فالمسلسل لا يقدم وصية بالمعنى التقليدي الذي يفتح أبواب الصراع على الثروة فقط، بل يستخدمها كمدخل ذكي إلى كوميديا المواقف، وإلى لعبة العلاقات داخل البيت الواحد من يحب حقًا، ومن يناور، ومن يختبئ خلف القرب، ومن يكتشف متأخرًا أن العائلة ليست مجرد اسم يُورث، بل مسؤولية تُعاش وهنا، تبرز براعة المخرج محمد الأنصاري، الذي يقود العمل برؤية لا تبدو مشغولة بالضحك المجاني، بقدر ما تبدو منحازة إلى كوميديا دافئة، تتكئ على المفارقة، وعلى المواقف الإنسانية، وعلى كشف الطبقات الخفية داخل الشخصيات
أما على مستوى الأداء، فيستند العمل إلى حضور ممثلين يعرفون جيدًا كيف يمنحون الكوميديا وزنها الإنساني دون أن يفقدوها خفتها.
وجود الفنان بيومي فؤاد يضيف ذلك الحس المألوف القادر على التقاط التفاصيل الصغيرة داخل الشخصية، حيث لا يأتي الضحك من الإفيه وحده، بل من طريقة العيش داخل الموقف.
إلى جواره، يمنح حمزة العيلي العمل ثقله التمثيلي المعروف، ذلك الممثل الذي يعرف كيف يصنع من أبسط المشاهد مساحة صدق كاملة، ويحول الشخصية العادية إلى كائن حي مليء بالتفاصيل.
ثم تأتي الفنانة القديرة ليلى عز العرب بما تملكه من دفء خاص وحضور عائلي أصيل، يجعلها دائمًا أقرب إلى ذاكرة البيت المصري من مجرد دور على الورق
غير أن البطولة الحقيقية في «وصية جدو» لا تقف عند الأسماء المعروفة فقط بل تمتد إلى فكرته نفسها.
فالمسلسل يُقدم باعتباره واحدًا من أبرز الأعمال الدامجة التي تمنح ذوي الهمم مساحة فعلية داخل الدراما، لا على سبيل التعاطف الموسمي، بل على أساس الموهبة والحق في الوجود الفني الكامل
ومن هنا، يصبح «وصية جدو» أكثر من مسلسل يُشاهَد في موسم رمضاني إنه امتداد حي لروح «مشروع حلم» تلك المبادرة التي لا تنظر إلى أصحاب الهمم بوصفهم حالة تحتاج إلى شفقة، بل بوصفهم مواهب حقيقية تستحق التدريب والتمكين والظهور في مجالات التمثيل، والإخراج، والمونتاج، والموسيقى، والكتابة، والإعلام، والتسويق الرقمي وهي رؤية تتقاطع بوضوح مع التصريحات المنشورة عن المشروع، والتي تؤكد أن الهدف هو إزالة التمييز، وفتح المجال أمام مشاركة فنية ومجتمعية عادلة تقوم على الكفاءة لا المجاملة.
وهنا تكمن قيمة العمل الحقيقية
أنه لا يرفع شعار الدمج من الخارج، بل يحاول ممارسته من الداخل.
لا يقدم ذوي الهمم كرمز عاطفي عابر داخل الحبكة، بل كجزء من نسيج الحكاية نفسها، وكأصحاب حضور فعلي في المشهد وهذا فارق كبير بين عمل يستدعي القضية ليزين بها صورته،وعمل يجعل القضية جزءًا من ضميره الفني.
في «وصية جدو»، الكوميديا ليست مجرد وسيلة للترفيه،بل وسيلة لتقريب المسافات بين الأجيال،
بين أفراد العائلة،بين المجتمع ومن اعتاد أن يضعهم خارجه،وبين الفن ورسالة الفن نفسها.
ولعل أجمل ما في الفكرة، أن الوصية هنا تبدو وكأنها تتجاوز شخصيات العمل لتصل إلينا نحن أيضًا
أن الميراث الحقيقي ليس ما نأخذه من الراحلين بل ما نتعلمه منهم.
أن العائلة لا تُقاس بما يُقسم بعد الوفاة، بل بما يبقى حيًا من المحبة، والعدل، والقدرة على احتواء المختلف وأن الفن حين يختار أن يكون إنسانيًا بحق، لا يكتفي بأن يسلينا بل يجعلنا نرى المجتمع بصورة أوسع وأعدل أجمل
لهذا، فإن «وصية جدو» لا يبدو مجرد مسلسل كوميدي عائلي في موسم مزدحم،بل محاولة تستحق التوقف عندها،لأنها تعيد تذكيرنا بأن الدراما يمكن أن تكون خفيفة دون أن تكون سطحية،ومسلية دون أن تكون فارغة،وشعبية دون أن تتنازل عن رسالتها.
«وصية جدو» ليس مجرد حكاية عن ميراث ينتظر من يناله بل عن مجتمع يحتاج أن يعيد توزيع فرصه بعدل وحين تنجح الدراما في قول ذلك بابتسامة،فهي لا تكون قد صنعت مسلسلًا فقط بل صنعت أثرًا.