سلسلة "مبدعو أرض الكنانة"
بقلم: د. شيرين النوساني
مدير مكتب الاتحاد العربي للثقافة AUC في مصر
الدكتور مرسي الصباغ: رحّالة في جغرافيا الوجع والفرح الشعبي
في عالمٍ يتقدم سريعًا ويترك ذاكرته خلفه، يقف الدكتور مرسي السيد مرسي الصباغ شاهدًا على ما كاد يضيع، وحارسًا لمعنى لم يفقد صوته بعد. لا يتعامل مع الماضي بوصفه أثرًا ساكنًا، بل ككائن حي يتنفس في التفاصيل الصغيرة: في الحكايات التي لم تجد طريقها إلى الكتب، وفي الأغاني التي عبرت الزمن دون أن تحمل أسماء، وفي نبرةٍ مبحوحةٍ خرجت من صدرٍ خبر العمر أكثر مما رواه.
هو ليس أستاذ لغة وأدب فحسب، بل إنسان اختار الإصغاء قبل التأويل، والاقتراب قبل التصنيف؛ رحّالة في تضاريس الوجدان المصري والعربي، يتتبع الأثر الإنساني حيث يتوارى، ويكتب تاريخًا لا تصوغه الوثائق وحدها، بل تحفظه القلوب، وتتداوله الذاكرة كما يُتداول سر الدفء بين الناس.
يُنصت الدكتور مرسي السيد مرسي الصباغ إلى همسات التاريخ وهي تتسرب عبر الحكاية الشعبية، فيستخرج من سيرة «جميلات ومخلوف» ما انطوى فيها من بناءٍ سردي متماسك، وقيمٍ أخلاقيةٍ تنتقل من جيلٍ إلى جيل كما لو كانت كنزًا خفيًّا لا يفقد بريقه. يلتقط المثل المصري من أفواه الناس البسطاء، ويقرأه بعين عالم آثار يتأمل نقشًا فرعونيًّا، كاشفًا كيف تخبئ البساطة في طياتها جماليات العيش وروح المكان. وفي منهجه، يغدو المَثل دستورًا أخلاقيًّا غير مكتوب، ويتحول الموال إلى تأملٍ وجودي، بينما تصير الحكاية مرآةً صافية لأحلام المجتمع وخيباته.
ومن بحوثه الأولى في مجلة «الفنون الشعبية» إلى موسوعاته الواسعة عن لهجة أهل الزقازيق والأمثال المصرية، لم يكن الدكتور الصباغ يوثق مظاهر فولكلورية بقدر ما كان يفكك نسيج روحٍ جماعية ويكتب سيرتها غير الرسمية. وخلف عشرات المؤلفات — من «أدب الأطفال الشعبي» إلى «الأدب الشعبي العربي: تأصيل تراثي» — يقف رجل يسمع في لهجة بلده موسيقى التاريخ، ويقرأ في عيون الأطفال ملامح المستقبل الممكن للتراث.
ولا يقف عطاؤه عند حدود حبر الكتب، بل يتجاوزها إلى صناعة الوعي وتعليم الأجيال، حيث تتحول المعرفة بين يديه إلى نورٍ يهدي الباحثين في دروبهم الأولى. وتحت نظرته الفاحصة، غدت «سيرة علي الزيبق» مدخلًا لتحليل عميق لمفهوم البطولة في المخيال الشعبي، وانتقلت ظاهرة التناص الشعبي من فضاء الإبداع — في نصوص توفيق الحكيم — إلى مختبر البحث الأكاديمي الدقيق.
ومن الشعر الأندلسي إلى علم العَروض، ومن شعر المديح عند عبد الرحيم البرعي إلى استدعاء التراث في شعر ابن فركون، يبرهن الدكتور مرسي السيد مرسي الصباغ على أن العربية ليست لغة نصوصٍ فحسب، بل وعاء حضاري جامع، يلتقي فيه صفاء الفصاحة ببلاغة الشارع، ويتجاور فيه عمق التراث مع حيوية المعاصرة.
واتسع أثره حتى تجاوز حدود الوطن، فغدا رسولًا للغة الضاد وتراثها الحي. من اليمن إلى الكاميرون محاضرًا وخبيرًا، ومن صفحات المجلات الثقافية في الأردن والسعودية إلى منصّات المؤتمرات في الجزائر، حيث ناقش «جماليات الخط العربي في العمارة الإسلامية»، ظل الدكتور مرسي السيد مرسي الصباغ وفيًّا لقناعته العميقة: أن حارس التراث ليس سجين الماضي، بل صانع حوارٍ إنساني متجدد.
وعلى الأرض، لم يكن رجل مكتبٍ منعزلًا؛ فالقلم ذاته الذي أنصت للأمثال الشعبية هو الذي امتد إلى خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، وترؤس لجان البيئة، وإدارة مراكز المخطوطات، وتنظيم مؤتمرات دولية نسجت خيوط الصلة بين الموروث الشعبي المصري وتجارب ثقافية بعيدة، من بينها إندونيسيا، لترتسم خريطة ثقافية تتجاوز الجغرافيا، وتتخطى الزمن.
يمثل الدكتور مرسي السيد مرسي الصباغ حكمة الزمن الجميل في عصر العجلة، ومؤرخ الوجدان حين تنسى القلوب سِيَرها الأولى. حياته جسر ممتد بين الحكاية الشعبية وأدب الأطفال، وبين النوادر الأكاديمية والمناهج النقدية الحديثة، يذكرنا — في صمت العارفين — بأن القوة تكمن في الأصالة، وأن الغنى الحقيقي في تنوع الموروث، وأن الأمثال الشعبية تختزن رؤيةً كاملة للحياة.
وحين ننصت إلى صوته وهو يفكّك «نوادر جحا» أو يقرأ شعر أمل دنقل، ندرك أنه لا يصون تراث الأمس فحسب، بل يمنحنا بوصلةً نهتدي بها في غدٍ لا يعترف إلا بمن يعرفون من أين أتوا.
هو كنز من كنوز الأمة العربية، وعلم من أعلامها، يضيء بعلمه وأدبه وخلقه دروب الأجيال القادمة، لتظل الذاكرة حيّة، والهوية راسخة، وتبقى الكلمة العربية متوجةً في القلوب والعقول.
في الأسبوع القادم، بمشيئة الرحمن، سنلتقي بمبدع جديد من كنوز أرض الكنانة…
فمن سيكون؟
تابعونا في سلسلة "مبدعو أرض الكنانة"
بقلم: شيرين النوساني