الاندفاع في اختيار العلاقات… رؤية شخصية بقراءة نفسية
بقلم: د. ولاء يحيى
عند الحديث عن العلاقات الإنسانية، لا يقتصر الأمر على الارتباط العاطفي فقط، بل يمتد ليشمل الصداقة، والزمالة، والشراكات الإنسانية بمختلف أشكالها.
ومن خلال الملاحظة والخبرة الحياتية، يتضح أن الاندفاع والتسرّع في اختيار العلاقات أصبحا من أخطر الأزمات النفسية التي تؤثر في الإنسان، لما لهما من انعكاسات مباشرة على الاستقرار النفسي، والقدرة على الإنتاج، وطبيعة الحضور الإنساني داخل المجتمع.
من منظور علم النفس، لا تُفهم العلاقة بوصفها تواصلًا اجتماعيًا فقط، بل باعتبارها مساحة نفسية، إما أن توفر الأمان والدعم، أو تُنتج التوتر والاستنزاف. فالعلاقة، أيًّا كان نوعها، حين تفتقد هذا الأمان تتحول بمرور الوقت إلى عبء نفسي، حتى وإن بدت في ظاهرها مستقرة.
الأثر النفسي للعلاقات غير المتزنة
تشير الأدبيات النفسية إلى أن استمرار الإنسان داخل علاقات غير متوازنة أو غير واضحة الحدود يؤدي تدريجيًا إلى:
• اضطراب داخلي مزمن
• تراجع في تقدير الذات
• تشوش في التفكير
• ضعف القدرة على التركيز والإنجاز
وهو ما يفسر الارتباط الوثيق بين جودة العلاقات وبين النجاح المهني والاجتماعي، بل والقدرة على الاستمرار دون إنهاك نفسي.
التوافق… قاعدة لا يمكن تجاوزها
من واقع التجربة، يتضح أن التوافق الفكري والاجتماعي والقيمي يمثل حجر الأساس في أي علاقة ناجحة، سواء كانت صداقة أو زمالة أو ارتباطًا.
فكثير من العلاقات لا تنهار بسبب الخلاف المباشر، بل بسبب اختلافات جوهرية تم تجاهلها في البداية بدافع الطيبة أو الاندفاع.
العلاقات تُقاس بالمواقف
العلاقات لا تُختبر بالكلمات أو الوعود، بل بالمواقف والسلوك الفعلي.
ففي الصداقة، كما في العمل والارتباط، يظل الفعل هو المعيار الحقيقي للصدق والاستمرارية.
وهنا تظل المقولة:
«صديقك من صدقك، لا من صدّقك»
حاضرة بمعناها النفسي العميق؛
فمن صدّقك قد يريحك مؤقتًا،
أما من صدقك فيمنحك وعيًا يحميك من الانهيار.
أزمات الفقد… بين البناء والهدم
يمر الإنسان في حياته بلحظات فقد، سواء فقد أشخاص أو علاقات أو أدوار.
ومن منظور علم النفس، فإن أزمة الفقد قد تكون دافعًا للنضج والإنتاج إذا كان الإنسان متزنًا وحكيمًا في اختياراته، قادرًا على تحويل الألم إلى وعي والعمل إلى تعافٍ.
لكنها قد تتحول، في المقابل، إلى طاقة سلبية مدمّرة حين تُبنى العلاقات على سوء اختيار، أو حين تُستنزف النفس في علاقات تخلو من الأمان والوضوح.
الأصل والطيبة والعِشرة
الأصل، والطيبة، والعِشرة الحقيقية، ليست شعارات عاطفية، بل قيم نفسية وسلوكية تظهر بوضوح وقت الخلاف، لا وقت الود فقط.
فالعلاقة التي لا تحترم العِشرة، ولا تراعي الأصل، ولا تصون الطيبة، علاقة تُفقد الإنسان توازنه قبل أن تُفقده الآخر.
الخلاصة
انتقاء العلاقات ليس قسوة، بل وعي يحمي النفس.
والطيبة لا تعني الاندفاع، كما أن التسامح لا يعني تجاهل الأذى.
فالعلاقات السوية هي تلك التي تضيف للإنسان استقرارًا، لا صراعًا، وتمنحه طاقة للحياة، لا عبئًا يُنهكه بصمت.
وحين يُحسن الإنسان اختيار من يشاركه مساحته الإنسانية،
فإنه لا يحمي قلبه فقط،
بل يحمي مستقبله النفسي وقدرته على الاستمرار والنجاح.