recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

كتبت أميره كمال بوابة الجمهوريه الجديدة شبكه اعلام مصر

المقارنة القاتلة: كيف تسرق منا السوشيال ميديا رضاك عن نفسك؟
✍️ كتبت: أميرة كمال
لم تعد المقارنة فعلًا عابرًا نمارسه دون وعي، بل تحولت في العصر الرقمي إلى عادة يومية تفرض نفسها على العقول والنفوس. بضغطة زر، يجد الإنسان نفسه أمام حياة الآخرين: نجاحاتهم، مظهرهم، علاقاتهم، وسعادتهم المعلنة. ومع كل صورة لابتسامة مثالية أو إنجاز لافت، تبدأ المقارنة… وتبدأ معها معركة صامتة مع الذات.
المقارنة في جوهرها سلوك إنساني طبيعي، لكنها تصبح قاتلة حين تتحول إلى معيار نقيس به قيمتنا الشخصية. فبدلًا من أن تكون وسيلة للتعلم أو التحفيز، تتحول إلى أداة جلد ذات، تزرع الشعور بالنقص، وتُضعف الثقة، وتشوّه صورة الإنسان عن نفسه وحياته.
السوشيال ميديا لعبت الدور الأكبر في تعميق هذه الظاهرة. فهي لا تنقل الواقع كما هو، بل تقدم نسخة منقحة، مختارة بعناية، تُظهر اللحظات الأفضل فقط. لا أحد ينشر تعبه، فشله، أو لحظات ضعفه، لكن المتلقي يراها كحقيقة كاملة، ويقارنها بتفاصيل حياته اليومية بكل ما فيها من إرهاق وتعقيد.
المشكلة لا تكمن في نجاح الآخرين، بل في الطريقة التي نستقبل بها هذا النجاح. حين يتحول إنجاز غيرنا إلى إدانة غير مباشرة لأنفسنا، نفقد القدرة على رؤية مساراتنا الخاصة. نبدأ في التساؤل: لماذا تأخرنا؟ لماذا لم نصل بعد؟ ولماذا تبدو حياتنا أقل بريقًا؟
أسئلة لا تُنتج إجابات، بل تُنتج إحباطًا.
الأخطر أن المقارنة القاتلة لا تفرق بين الأعمار أو الفئات. تصيب الشباب الذين يشعرون أن الوقت يسبقهم، وتصيب النساء اللاتي يُقارنّ أنفسهن بصور مثالية للجمال والحياة، وتصيب الرجال الذين يُقاس نجاحهم بالأرقام والمظاهر. الجميع واقع تحت ضغط نموذج واحد للنجاح، لا يعترف بالاختلاف ولا يترك مساحة للتنوع.
مع الوقت، تتحول المقارنة إلى عبء نفسي ثقيل. رضا الإنسان عن نفسه يتآكل، والإنجازات الصغيرة تفقد قيمتها، لأن العين دائمًا معلقة بما لدى الآخرين. حتى اللحظات الجميلة تصبح ناقصة، لأن هناك من يبدو أكثر سعادة، أكثر ثراء، أو أكثر استقرارًا.
في هذا السياق، تتراجع العلاقة الحقيقية مع الذات. بدلًا من أن يسأل الإنسان نفسه: ماذا أريد؟ وما الذي يناسبني؟ يبدأ في السعي وراء أهداف لا تشبهه، فقط لأنها نجحت مع غيره. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية: أن يعيش الإنسان حياة ليست له، فقط ليُرضي مقارنة لا تنتهي.
المجتمع الرقمي لا يعترف بالبطء، ولا يمنح وقتًا للنضج. كل شيء يجب أن يحدث الآن، وبالشكل المثالي. لكن الواقع مختلف. لكل إنسان توقيته، وقدرته، وظروفه، ومساره الخاص. المقارنة تتجاهل هذه الفروق، وتختزل الحياة في سباق وهمي لا خط نهاية له.
في النهاية، المقارنة القاتلة لا تقتل الطموح فقط، بل تقتل السلام الداخلي. تحرم الإنسان من الاستمتاع بما حققه، وتجعله دائم الشعور بأنه متأخر، مهما أنجز.
التحرر الحقيقي يبدأ حين ندرك أن ما نراه على الشاشات ليس مقياسًا لقيمتنا، وأن النجاح ليس نسخة واحدة، بل آلاف النسخ المختلفة.
حينها فقط، تتحول المقارنة من سلاح موجّه ضدنا، إلى وعي يجعلنا نغلق الشاشات قليلًا… ونفتح أعيننا على حياتنا كما هي، لا كما نُطالَب أن نراها.

عن الكاتب

ررر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا