recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

بقلم أميره كمال بوابة الجمهوريه الجديدة شبكه اعلام مصر

الاحتراق الوظيفي: حين يتحول العمل من أمان إلى استنزاف
كتبت أميرة كمال ✍️
لم يعد الإرهاق الوظيفي مجرد شعور عابر بنهاية يوم طويل، بل أصبح حالة نفسية كاملة يعيشها كثيرون بصمت. نذهب إلى أعمالنا كل صباح، ننجز، نلتزم، نتحمل، لكن شيئًا ما في الداخل يتآكل ببطء. لا حماس، لا شغف، ولا حتى غضب… فقط فراغ متعب. هنا يبدأ الاحتراق الوظيفي، حين يتحول العمل من مصدر أمان إلى مصدر استنزاف.
الاحتراق الوظيفي لا يحدث فجأة، بل يتسلل تدريجيًا. يبدأ بإرهاق بسيط، ثم فقدان متعة الإنجاز، ثم شعور دائم بالضغط، حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها الذهاب إلى العمل عبئًا نفسيًا ثقيلًا. الغريب أن كثيرين لا ينتبهون لما يحدث لهم، لأنهم اعتادوا اعتبار التعب جزءًا طبيعيًا من النجاح.
أخطر ما في الاحتراق الوظيفي أنه مُقنِع. يبدو صاحبه من الخارج ناجحًا، ملتزمًا، يعتمد عليه، بينما من الداخل يشعر بالاستنزاف الكامل. ينجز لأنه مجبر، لا لأنه راغب. يستمر لأنه خائف من التوقف، لا لأنه يجد معنى فيما يفعل. ومع الوقت، يفقد العمل قيمته، ويصبح مجرد واجب يؤديه الإنسان بلا روح.
ثقافة المجتمع تلعب دورًا كبيرًا في تفاقم هذه الحالة. نحن نُمجّد التحمل، ونصف الإرهاق بالقوة، ونربط القيمة الشخصية بالإنتاج المستمر. من يتعب يُطالَب بالمزيد، ومن يطلب الراحة يُتّهم بالتقصير. هكذا يتحول الاحتراق الوظيفي من مشكلة فردية إلى نمط حياة جماعي.
الاحتراق لا يؤثر فقط على الأداء المهني، بل يمتد إلى الصحة النفسية والجسدية. قلة تركيز، اضطرابات نوم، فقدان دافع، توتر دائم، وأحيانًا شعور بالذنب لمجرد الرغبة في الراحة. الأخطر أن الإنسان يبدأ في الشك في نفسه، ويتساءل: هل المشكلة فيّ؟ هل أنا غير كفء؟ بينما الحقيقة أن المشكلة في الاستنزاف المستمر دون تعويض أو تقدير.
الخروج من الاحتراق الوظيفي ليس قرارًا سهلًا، لكنه يبدأ بالاعتراف. الاعتراف بأن التعب ليس ضعفًا، وأن الرغبة في التوقف ليست فشلًا. يبدأ بإعادة النظر في الحدود: حدود الجهد، وحدود الوقت، وحدود ما يمكن احتماله نفسيًا. ليس كل ما تستطيع فعله يجب عليك فعله.
في بعض الأحيان، لا يكون الحل في ترك العمل، بل في تغيير طريقة التعامل معه. وفي أحيان أخرى، يكون التغيير الجذري ضرورة للحفاظ على النفس. المهم أن يدرك الإنسان أن حياته لا يجب أن تُستنزف بالكامل في سبيل وظيفة، مهما كانت.
في النهاية، العمل وسيلة للعيش، لا مقياسًا للقيمة الإنسانية. الاحتراق الوظيفي رسالة تحذير، لا يجب تجاهلها. رسالة تقول إن الوقت قد حان للتوقف قليلًا، لإعادة التوازن، ولتذكير أنفسنا أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بكم التعب، بل بقدرتنا على الاستمرار دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.

عن الكاتب

ررر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا