حين أصبح الذكاء الاصطناعي أقرب إلينا من البشر.. هل نفكر بعقولنا أم نستعير عقولًا إلكترونية؟
كتبت: أميرة كمال ✍️
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة نسمع عنها في نشرات الأخبار أو نراها في أفلام الخيال العلمي، بل أصبح ضيفًا دائمًا في تفاصيل حياتنا اليومية، يتدخل في طريقة تفكيرنا، ويساعدنا في قراراتنا، ويشاركنا كتابة كلماتنا، بل إن البعض أصبح يلجأ إليه في لحظات ضعفه وحيرته، وكأنه صديق يمتلك إجابة لكل سؤال.
تطبيق مثل «شات جي بي تي» لم يعد بالنسبة لكثيرين مجرد وسيلة للحصول على معلومة، وإنما تحول إلى مستشار شخصي، ومساعد مهني، ومعلم، ومحرر، ومحلل للمواقف، وأحيانًا مساحة للفضفضة والبحث عن كلمة طيبة أو نصيحة تخفف ثقل يوم صعب.
واللافت أن العلاقة بين الإنسان وهذه التطبيقات تتطور بسرعة تفوق قدرتنا أحيانًا على استيعاب أبعادها؛ فقد أصبح البعض يبدأ يومه بسؤالها، وينهيه بمناقشتها، ويعود إليها عند كل موقف لا يعرف كيف يتعامل معه.
لكن خلف هذه الراحة التكنولوجية تختبئ ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف أمامها: هل أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة تساعد الإنسان على تطوير قدراته، أم أننا بدأنا نمنحه تدريجيًا مساحة أكبر من اللازم في حياتنا؟
من البحث عن المعلومة إلى البحث عن الرأي
في الماضي، كان الإنسان يلجأ إلى الكتب أو محركات البحث عندما يريد معرفة شيء، أما اليوم فقد تغير الأمر؛ لم يعد المستخدم يريد المعلومة فقط، بل يريد تفسيرها، ومقارنتها، وتحليلها، والوصول إلى نتيجة جاهزة.
والأكثر إثارة أن استخدام الذكاء الاصطناعي تجاوز حدود المعرفة العامة، ليصل إلى أدق التفاصيل الشخصية. فهناك من يستشيره في اختيار شريك الحياة، ومن يطلب منه تحليل تصرفات شخص اختلف معه، ومن يعرض عليه رسائل وصلته ليعرف ما وراء الكلمات، بل إن البعض يطلب منه تحديد من المخطئ ومن المصيب في خلافات عائلية وعاطفية.
وهنا تظهر إشكالية مهمة؛ فالتطبيق يسمع رواية طرف واحد غالبًا، ويحلل المعلومات المتاحة له، لكنه لا يعيش الموقف ولا يعرف كل تفاصيله، وقد تكون إجابته مقنعة في ظاهرها رغم أنها لا تمثل الحقيقة كاملة.
هل بدأنا نفقد مهارة التفكير؟
من أخطر الجوانب التي تستحق النقاش أن الاعتماد المستمر على الإجابات الجاهزة قد يؤثر في رغبة الإنسان في البحث والتحليل والاجتهاد.
فالطالب الذي يطلب حل الواجب دون أن يحاول الفهم، والموظف الذي لا يستطيع صياغة خطاب دون مساعدة، والكاتب الذي يتخلى عن أسلوبه الخاص لصالح نصوص جاهزة، جميعهم قد يحصلون على نتيجة سريعة، لكنهم ربما يخسرون في المقابل فرصة تطوير مهاراتهم.