بيوت دافئة وعقول تائهة: غُربة أرواح تحت سقف واحد
بقلم : أميرة محمود
تفتح الأبواب مساءً لتضم العائلات تحت أسطح مجهزة بكل أسباب الراحة والدفء المادي من إضاءة خافتة وأثاث أنيق ووجبات شهية تجمع الأفراد في مكان واحد لكن الحقيقة الخفية خلف هذا المشهد الدافئ تكشف عن حيرة عميقة تعتري العقول التي تجلس سوياً بجسدها وتبتعد بأفكارها وأرواحها إلى آفاق قاسية من التشتت والشرود وسط تسارع متطلبات الحياة وضغوط التطلع الدائم للمستقبل مما جعل البيت مجرد محطة لاستراحة الأجساد المنهكة بدلاً من أن يكون مرفأً لسكينة العقول وراحتها.
يتسلل هذا الضياع الذهني عبر الشاشات المضيئة والتفكير المتواصل في تحديات الغد والغرق في عالم افتراضي يسرق حضور الإنسان من لحظته الواقعية فيجد الآباء والأبناء أنفسهم في عزلة اختيارية داخل الغرفة الواحدة حيث تتوارى الأحاديث الإنسانية العميقة وتتراجع لغة الحوار الداعم لصالح إجابات سريعة تجعل العقل يتوق باستمرار لما هو خارج جدران المنزل وينسى كيف يتذوق الأمان الحقيقي المتاح بين يديه.
إن استعادة التوازن داخل بيوتنا تتطلب منا :
جرأة الوقوف مع الذات وإعادة ترتيب الأولويات لكيلا نتحول إلى أطياف تعيش تحت سقف واحد بلا تفاعل حي وعاطفة حاضرة فالدفء الحقيقي لا يصنعه جدار آمن أو جَو دافئ بل تصنعه عقول مطمئنة تتعلم كيف تهدأ من ركضها اليومي وكيف تصغي بصدق لمن يحبونها ليتعافى الفكر من تشتته وتعود للبيوت روحها التي تمنح الحياة معناها الأصيل.
إن أقصى درجات الغربة ليست تلك التي تفصلنا عنها قارات وبحار بل تلك التي نعيشها ونحن نتشارك الخبز والمكان ذاته حين تغدو البيوت دافئة بالحجارة وباردة بالغياب الفكري فلتطفئوا ضجيج العالم قليلاً ولتعودوا إلى بيوتكم بقلوبكم وعقولكم قبل أجسادكم فإن الدفء الذي لا يمس الروح يبقى مجرد وهمٍ في مهب الريح.
وافر تحياتي 🍒