زوكربيرغ يضع الذكاء الاصطناعي في جيبك.. Muse Charm جهاز صغير قد يغيّر طريقة تعاملنا مع التكنولوجيا
إعداد: شهاب محمد جلال
في الوقت الذي اعتاد فيه المستخدم أن يفتح هاتفه، يدخل إلى تطبيق، يكتب طلبه ثم ينتظر الإجابة، يبدو أن شركة «ميتا» تريد اختصار كل هذه الخطوات.
ففي ختام مؤتمر Meta Connect 2026، ظهر مارك زوكربيرغ ليكشف عن جهاز صغير حمل اسم Muse Charm، مصمم ليكون وسيلة محمولة للوصول إلى وكيل الذكاء الاصطناعي الشخصي «Muse» في أي وقت، دون الحاجة إلى فتح الهاتف أو تشغيل تطبيق.
الجهاز لا يمثل مجرد نسخة أصغر من الهاتف، بل يأتي ضمن رؤية أوسع لدى «ميتا» لنقل الذكاء الاصطناعي من داخل التطبيقات إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح المساعد الرقمي حاضرًا مع المستخدم طوال الوقت.
ما هو Muse Charm؟
أعلنت «ميتا» أن Muse Charm جهاز صغير يمكن وضعه في الجيب أو تعليقه في سلسلة المفاتيح، ويتيح للمستخدم التحدث مع وكيل Muse والتفاعل معه.
وخلال العرض، أوضح زوكربيرغ أن المستخدم يستطيع لمس مستشعر بصمة الإصبع الموجود على الجهاز لبدء الحديث مع Muse، دون الحاجة إلى فتح الهاتف أو تشغيل تطبيق.
ويضم الجهاز شاشة صغيرة يظهر عليها تمثيل بصري أو «Avatar» للمساعد، بينما يعتمد التفاعل الأساسي على الصوت في الوقت الفعلي.
وأكد زوكربيرغ أن الجهاز ما زال في مرحلة استكمال بعض التفاصيل الهندسية، وأن الشركة بنت عددًا محدودًا منه حتى الآن، لكنها تستهدف أن يكون جاهزًا للشحن خلال موسم العطلات في ديسمبر 2026.
لكن المفاجأة ليست في الجهاز وحده
ربما تكون قيمة Muse Charm الحقيقية في الشيء الموجود بداخله، وليس في قطعة الهاردوير نفسها.
فـ«Muse» الذي كشفت عنه «ميتا» في وقت سابق من سبتمبر ليس مجرد روبوت محادثة تقليدي؛ إذ صممته الشركة كـوكيل ذكاء اصطناعي شخصي يستطيع تنفيذ مهام نيابة عن المستخدم.
وبحسب «ميتا»، يستطيع Muse التعامل مع مهام مثل إرسال رسائل البريد الإلكتروني، وتنظيم بعض الأعمال، والتخطيط للسفر، وإجراء عمليات شراء، والعمل عبر خدمات وتطبيقات مختلفة وفق الصلاحيات التي يمنحها المستخدم له.
وهنا تتغير الفكرة.
بدل أن تقول للذكاء الاصطناعي: «كيف أشتري هذا المنتج؟»
قد يصبح السؤال:
«اشترِ لي هذا المنتج.»
والفرق بين السؤالين هو أن الأول يطلب معلومة، بينما الثاني يطلب من الوكيل تنفيذ مهمة.
من Shopify إلى Walmart.. الذكاء الاصطناعي يدخل عالم التسوق
خلال مؤتمر Connect، أعلنت «ميتا» توسع شبكة الخدمات المرتبطة بـMuse.
وتشمل المنظومة شراكات وتكاملات مع شركات ومنصات مثل Shopify وStripe وPayPal، إلى جانب متاجر وعلامات تجارية مثل Walmart وBest Buy وGap وSephora وWayfair.
كما أعلنت الشركة عن تكاملات مرتبطة بالسفر مثل Expedia، وبالتسوق من متاجر البقالة عبر Instacart، إضافة إلى أدوات للعمل والإنتاجية مثل Notion وGitHub وBox وGranola.
وتسمح هذه التكاملات لـMuse بالانتقال من مرحلة «اقتراح ما يمكن للمستخدم فعله» إلى تنفيذ بعض الإجراءات فعليًا، بحسب الخدمة والصلاحيات المتاحة.
وهنا تظهر المعادلة الاقتصادية
السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: كم سيكلف Muse Charm؟
بل: كيف ستكسب Meta المال من وجود Muse في حياة المستخدم؟
والإجابة بدأت تظهر بالفعل.
مارك زوكربيرغ قال خلال Connect إن Meta تتوقع، مع الوقت، تحقيق إيرادات من خلال الحصول على رسوم صغيرة من المعاملات التي ينفذها Muse.
أي أن Meta قد لا تحتاج إلى جعل الجهاز نفسه مصدر الربح الرئيسي؛ فكلما استخدم المستخدم Muse للشراء أو حجز خدمة أو تنفيذ معاملة، يمكن أن تصبح هناك قيمة اقتصادية وراء العملية.
وهذا يفتح نموذجًا مختلفًا عن نموذج تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية.
هل يختفي الهاتف؟
ليس بهذه السرعة.
فـMuse Charm لا يعلن نهاية الهاتف، و«ميتا» نفسها لا تقدمه باعتباره بديلًا كاملًا للهاتف.
لكن الفكرة التي تقف خلفه أكثر أهمية: هل سيظل التطبيق هو نقطة البداية لكل خدمة؟
اليوم، إذا أردت حجز رحلة، تفتح تطبيقًا.
وإذا أردت شراء منتج، تدخل إلى متجر إلكتروني.
وإذا أردت إرسال بريد، تفتح تطبيق البريد.
أما في نموذج الوكلاء، فقد تبدأ كل هذه العمليات من مكان واحد:
«يا Muse، اعملها.»
وهنا يمكن أن يتغير شكل العلاقة بين المستخدم والتطبيقات نفسها.
من التطبيقات إلى «الوكلاء»
على مدار سنوات، كان الهاتف الذكي هو البوابة التي يدخل منها المستخدم إلى الخدمات الرقمية.
لكن مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، قد تصبح الواجهة الأساسية هي المحادثة، بينما تعمل التطبيقات والخدمات في الخلفية.
وهذا هو الجزء الذي يجعل مشروع Meta أكبر من مجرد جهاز صغير في حجم سلسلة مفاتيح.
فالشركة تحاول بناء منظومة يكون فيها Muse هو الواجهة التي يتعامل معها المستخدم، بينما تتصل المنظومة بخدمات أخرى لتنفيذ المهمة.
وقد أعلنت Meta بالفعل عن منصة تسمح للمطورين ببناء «Connectors» تربط خدماتهم بـMuse، وقالت الشركة خلال المؤتمر إنها تلقت أكثر من 1500 طلب من المطورين خلال أقل من أسبوع لضم خدمات جديدة إلى المنصة.
وماذا عن صناعة المحتوى؟
التغيير المحتمل لا يقتصر على التسوق.
إذا أصبحت الوكلاء قادرة على البحث، وتنظيم المعلومات، وكتابة المسودات، والتعامل مع البريد، وإدارة بعض المهام، فقد تتغير أيضًا طريقة عمل الصحفيين وصناع المحتوى وأصحاب الشركات الصغيرة.
فبدل أن يقضي الشخص وقتًا طويلًا في التنقل بين عشرات التطبيقات، يمكن أن يتحول دوره تدريجيًا من تنفيذ الخطوات إلى تحديد الهدف ومراجعة النتيجة.
لكن ذلك لا يعني أن الإنسان سيختفي من الصورة.
على العكس، كلما زادت قدرة الوكيل على تنفيذ المهام، زادت أهمية تحديد الصلاحيات ومراجعة ما ينفذه قبل إتمام الإجراءات الحساسة، خصوصًا ما يتعلق بالأموال والبيانات الشخصية.
ولهذا ركزت Meta في تصميم Muse على أن يحدد المستخدم التطبيقات التي يسمح للوكيل بالوصول إليها، وأن يحصل على موافقته في إجراءات حساسة مثل إرسال بعض الرسائل أو إجراء عمليات شراء.
خطوة صغيرة.. وفكرة كبيرة
Muse Charm في حد ذاته جهاز صغير، وما زالت تفاصيله النهائية محدودة، ولم تعلن Meta سعره حتى الآن.
لكن الفكرة التي يقف خلفها أكبر من حجم الجهاز.
إنها محاولة لنقل الذكاء الاصطناعي من شاشة نفتحها عند الحاجة، إلى مساعد رقمي يمكن الوصول إليه في أي لحظة.
ومع توسع Muse إلى النظارات والأجهزة المحمولة، واتساع شبكة الخدمات التي يستطيع الاتصال بها، يبدو أن المنافسة المقبلة في عالم التكنولوجيا قد لا تكون فقط على أفضل هاتف أو أفضل تطبيق.
بل على سؤال مختلف تمامًا:
من سيكون الوسيط الذي تنفذ من خلاله معظم طلباتك الرقمية؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية Muse.
فربما لا يكون المستقبل هو أن نمتلك جهازًا أكثر ذكاءً فقط...