جنوب السودان: لا نخشى المضي في بناء السدود.. ووزير الطاقة يتحدث عن «فولا» ودور مصر
إعداد: شهاب محمد جلال
عاد ملف السدود على نهر النيل إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعدما أعلن وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أجوك ماكور كور أن بلاده لا تخشى المضي قدمًا في خطط تطوير مشروعاتها الكهرومائية، مؤكدًا أن بناء السدود يمثل حقًا لبلاده باعتبارها دولة ذات سيادة وعضوًا في حوض النيل.
وجاءت تصريحات الوزير في جوبا، وسط اهتمام متزايد بمشروع سد فولا، أحد مشروعات الطاقة الكهرومائية المطروحة في جنوب السودان، وما يمكن أن يمثله من إضافة إلى قدرات توليد الكهرباء في دولة تعاني تحديات كبيرة في قطاع الطاقة.
«لدينا الحق والسيادة».. جنوب السودان يتمسك بخططه
وقال أجوك ماكور، وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام جنوب سودانية، إن بلاده «لا تخشى بناء سدودها»، مستندًا إلى حقها في تطوير مواردها المائية، وإلى كونها دولة ذات سيادة وعضوًا في حوض النيل.
وأوضح الوزير أن الحكومة أبلغت الرئيس سلفا كير ميارديت بالاستعدادات المتعلقة بمشروعات السدود، مؤكدًا أن وزارة الطاقة والسدود مستعدة للمضي قدمًا في تنفيذ خططها.
كما أشار إلى أن مستثمرين وسفراء أجانب أبدوا اهتمامًا بالمشروعات، لكنه لم يكشف عن تفاصيل إضافية بشأن الجهات المشاركة أو ترتيبات التمويل.
سد فولا.. مشروع قديم يعود إلى الواجهة
يبرز مشروع فولا الكهرومائي في مقدمة المشروعات التي تسعى جوبا إلى تطويرها، ويقع بالقرب من مدينة نيمولي على مجرى النيل الأبيض.
وفي مارس 2026، زار وفد برئاسة سفير الاتحاد الأوروبي لدى جنوب السودان ووزير الطاقة والسدود أجوك ماكور مواقع شلالات فولا، بهدف تقييم إمكانات مشروع كهرومائي يعتمد على سلسلة من السدود.
وخلال الزيارة، جرى بحث الإمكانات الكبيرة للموقع في توليد الكهرباء، إلى جانب تفقد مواقع مرتبطة بمشروع الربط الكهربائي بين جنوب السودان وأوغندا بجهد 400 كيلوفولت.
وبحسب معلومات نقلتها «إذاعة آي راديو» في جنوب السودان، تقدر القدرة المحتملة لمشروع Grand Fulla بنحو 1080 ميجاوات، مع إدراجه ضمن خطط إقليمية للطاقة الكهرومائية.
ماذا قال الوزير عن مصر؟
الجانب الأكثر حساسية في تصريحات ماكور يتعلق بمصر.
فالوزير الجنوب سوداني قال إن مجلس وزراء حوض النيل أقر 34 مشروعًا، مشيرًا إلى أن مشروع فولا من بينها، وأن مصر كانت ضمن الدول التي شاركت في إقرار هذه المشروعات.
وبحسب روايته، فإن ذلك يعني أن جوبا لا ترى سببًا للتراجع عن تطوير إمكاناتها الكهرومائية.
لكن من المهم هنا التمييز بين تصريح الوزير الجنوب سوداني وبين القول إن مصر أعطت موافقة منفصلة ونهائية على إنشاء سد فولا تحديدًا؛ فالمصادر التي نقلت تصريحاته لا تقدم وثيقة مصرية مستقلة تؤكد بهذا اللفظ موافقة منفردة على المشروع.
الموقف المصري.. دعم للتنمية مع التشاور
في المقابل، تؤكد مصر رسميًا أنها تدعم مشروعات التنمية في دول حوض النيل، مع تمسكها بمبادئ التعاون والتشاور وعدم الإضرار بالمصالح المائية للدول الأخرى.
وخلال اجتماع استثنائي لمجلس وزراء مياه دول حوض النيل في جوبا في فبراير 2026، أكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم أن القاهرة تدعم مشروعات التنمية في دول الحوض، مشيرًا إلى دعم مصر 36 مشروعًا على الهضبة الاستوائية على النيل الأبيض ضمن برنامج الاستثمار الخاص بمبادرة حوض النيل، إلى جانب تقديم خطابات عدم ممانعة لعدد من المشروعات في دول الحوض.
وفي سبتمبر 2026، جدد سويلم التأكيد على أن الحفاظ على الأمن المائي المصري والسوداني لا يتعارض مع تطلعات دول حوض النيل إلى التنمية المستدامة، مع التشديد على التعاون والتشاور وتبادل المعلومات وعدم الإضرار بمصالح الآخرين.
لماذا تريد جوبا بناء السدود؟
لا ينفصل مشروع فولا عن أزمة الكهرباء في جنوب السودان.
وتسعى الحكومة إلى زيادة إنتاج الكهرباء وتوسيع وصولها إلى المواطنين، مع الاعتماد على إمكانات البلاد الطبيعية في الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية.
وكان وزير الطاقة والسدود قد وصف مشروع فولا في وقت سابق بأنه حل طويل الأجل لمشكلة الكهرباء في البلاد، بينما تعمل جوبا بالتوازي على مشروعات للربط الكهربائي مع دول الجوار.
كما أن جنوب السودان يعمل على تعزيز قطاع الكهرباء من خلال استثمارات ومشروعات جديدة، وفي سبتمبر 2026 وقّع الوزير لوائح جديدة لتنظيم قطاع توليد الكهرباء، مؤكدًا سيادة بلاده على تطوير وتنظيم قطاع الطاقة والسدود داخل أراضيها.
هل يعني ذلك صدامًا جديدًا حول مياه النيل؟
تصريحات وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان لا تعني بالضرورة نشوب مواجهة بين جوبا والقاهرة، لكنها تعكس بوضوح تمسك جنوب السودان بحقه في استغلال موارده الطبيعية لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية.
وفي الوقت نفسه، يظل ملف النيل قائمًا على شبكة معقدة من المصالح المشتركة بين دول الحوض، وهو ما يجعل التنسيق والتشاور وتبادل المعلومات عوامل أساسية عند تطوير المشروعات الكبرى على مجرى النهر.
ويأتي مشروع فولا في هذا السياق؛ فالمشروع بالنسبة إلى جنوب السودان يرتبط بتوفير الكهرباء والتنمية، بينما تظل أي مشروعات على مجرى النيل محل اهتمام لدى دول المصب بحكم ارتباطها بإدارة الموارد المائية.
فولا بين التنمية والسياسة المائية
وبينما تؤكد جوبا استعدادها للمضي في مشروعاتها، تشير التحركات الإقليمية خلال الأشهر الماضية إلى أن مشروع فولا أصبح جزءًا من تصور أوسع لربط الطاقة بين دول شرق إفريقيا.
فإلى جانب إنتاج الكهرباء، يجري بحث الربط الكهربائي بين جنوب السودان وأوغندا، كما أبدى الاتحاد الأوروبي استعدادًا للمساعدة في حشد الموارد اللازمة لدراسات الجدوى والتقييمات البيئية والاجتماعية للمشروعات.
وبذلك، لا تبدو قصة فولا مجرد مشروع سد لتوليد الكهرباء، وإنما جزءًا من محاولة جنوب السودان استغلال موارده الطبيعية وبناء قطاع طاقة قادر على دعم اقتصاده، في الوقت الذي تظل فيه إدارة مياه النيل ملفًا يحتاج إلى استمرار الحوار بين دول الحوض.
الخلاصة
تصريحات أجوك ماكور أعادت مشروع سد فولا إلى دائرة الاهتمام، بعدما أكد أن جنوب السودان مستعد للمضي في تطوير مشروعات السدود، مستندًا إلى حقه في التنمية وسيادته على موارده.
أما الإشارة إلى مصر، فتحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالوزير الجنوب سوداني يقول إن مصر كانت ضمن الدول التي أقرت مشروعات أقرها مجلس وزراء حوض النيل، بينها فولا، بينما تؤكد القاهرة في مواقفها الرسمية دعم التنمية في دول الحوض مع التمسك بالتشاور والتوافق وعدم الإضرار بالمصالح المائية.