حين يصبح العبور هو الحياة
بقلم داليا سمير شحاتة
نحن لا نستطيع إيقاف الأمواج، لكننا نستطيع أن نتعلم السباحة. تلك هي الحياة بكل ما تحمله من تقلبات؛ لا تمنحنا دائمًا ما نريد، ولا تسير في كل أيامها وفق ما تشتهي أرواحنا. لذلك ربما لا يكون الصبر انتظارًا هادئًا لما نتمناه، بقدر ما يكون قدرة على الاستمرار رغم كل ما لم يأتِ كما أردنا.
فداخل كل منا أزهار غُرست بماء الحنين، ثم شردتها الريح، ومالت أغصانها نحو خطى الغائبين. هناك أشياء كثيرة فقدناها، وأشخاص تركوا في أرواحنا فراغًا لا يملؤه أحد، وذكريات كلما حاولنا تجاوزها أعادتنا إليها رائحة أو كلمة أو مكان.
ومع ذلك، كلما تعاندنا الحياة، علينا أن نبتسم. ليس لأن الألم قليل، ولا لأننا بخير دائمًا، ولكن لأن الابتسامة أحيانًا تكون شكلًا من أشكال المقاومة. فعند ضفاف ابتسامتنا، تهدأ بعض الأوجاع، ونستعيد شيئًا من قدرتنا على الوقوف.
من يريد القمر لا يتجنب الليل، ومن يرغب في الورد لا يخشى أشواكه، ومن يسعى إلى الحب لا يستطيع أن يهرب طويلًا من ذاته. فكل شيء جميل في الحياة له ثمن، وكل طريق نحو الضوء لا يخلو من بعض العتمة.
ولعل أقسى أنواع المعاناة أن نقف في منطقة لا نعرف فيها: هل ننتظر أم ننسى؟ هل نتمسك بالأمل أم نغلق الباب ونمضي؟ ذلك الانتظار المعلق بين احتمالين يرهق القلب أكثر من الفقد نفسه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحزن كامل الحزن، ولا أن يعيش كامل الأمل.
والأقسى من ذلك أن تتجمد مشاعرنا في أعماقنا، فلا نعود نعرف كيف نحب، ولا كيف نكره، ولا نفرح كما كنا، ولا نبكي كما ينبغي. نقف في المنتصف؛ لا ضحكتنا لها رونقها، ولا بكاؤنا له غصته، فقط اختناق صامت لا يراه أحد.
ثم تأتي لحظة ندرك فيها أننا لم نعد نريد تحقيق كل أحلامنا دفعة واحدة، ولم نعد نبحث عن حياة مثالية خالية من الخسائر، بل أصبح كل ما نريده أن نكمل الطريق بأقل قدر ممكن من الألم.
ربما لأننا تعبنا من كثرة الخيبات، وأصبحنا نعرف أن الحياة ليست وعدًا دائمًا بالسعادة، وإنما هي مزيج من الفقد واللقاء، والانكسار والنجاة، والدموع والابتسامات.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي سقط فيها، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن ينهض. قد نتعب، وقد ننكسر، وقد نحتاج إلى بعض الوقت لنستعيد أنفسنا، لكن ذلك لا يعني أن الحكاية انتهت.
يكفي أن نتعلم السباحة حين تشتد الأمواج، وأن نتمسك ببصيص الضوء حين يطول الليل، وأن نمنح قلوبنا فرصة أخرى للحياة.
لسنا مطالبين بأن نكون سعداء طوال الوقت، ولا أن نتظاهر بالقوة حين نكون متعبين. يكفينا أحيانًا أن نعبر اليوم بسلام، وأن نضع أوجاعنا بين يدي الله، ونقول من أعماق القلب:
اللهم اجعل هذه الأيام تمر ولا تضر، وامنح قلوبنا صبرًا يليق بكل ما تحملته، وطمأنينة تمحو أثر ما أوجعنا، وأيامًا قادمة تشبه ما تمنيناه طويلًا.
فربما لا نستطيع تغيير الأمواج، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نعبرها…
وربما لا نستطيع منع الألم، لكننا نستطيع ألا نسمح له بأن ينتزع منا الرغبة في الحياة.