الخطأ لا يؤلم بقدر الحوار الداخلي بعده
بقلم: داليا سمير شحاته
يظن كثيرون أن الألم الحقيقي يكمن في الخطأ ذاته، بينما الحقيقة أن الخطأ لا يستغرق سوى لحظة، أما ما يعقبه فقد يمتد أيامًا أو شهورًا، وربما سنوات. إن أكثر ما ينهك الإنسان ليس سقوطه، بل ذلك الحوار الداخلي الذي يبدأ بعد السقوط، حين تتحول النفس إلى خصمٍ عنيد، ويصبح العقل قاعة محاكمة لا تنتهي جلساتها.
هناك صوت خفي يسكن أعماقنا، لا يكتفي بتذكيرنا بما حدث، بل يعيد المشهد مرارًا، ويعيد معه الكلمات ذاتها، والوجوه ذاتها، والندم ذاته. يسألنا باستمرار: لماذا قلت ذلك؟ لماذا لم أصمت؟ لماذا وثقت؟ لماذا تأخرت؟ لماذا استعجلت؟ وكأن الإجابات، مهما تعددت، قادرة على إعادة الزمن إلى الوراء.
إن هذا الحوار الداخلي قد يكون أكثر قسوة من الخطأ نفسه، لأنه لا يمنح صاحبه فرصة للتعافي. إنه يسرق من الحاضر هدوءه، ومن المستقبل شجاعته، ويجعل الإنسان أسيرًا لماضٍ انتهى، لكنه لم ينتهِ داخله.
وليس المقصود هنا أن نهون من قيمة الخطأ أو نقلل من مسؤوليته، فالإنسان الناضج لا يهرب من الاعتراف بزلاته، ولا يبحث عن مبررات تبرئه دائمًا. غير أن الاعتراف شيء، واستنزاف الذات شيء آخر. فالمراجعة الصادقة تبني الإنسان، أما جلد الذات فلا يبني إلا مزيدًا من الانكسار.
لقد خُلقت الأخطاء لتكون معابر إلى الحكمة، لا زنازين نقضي فيها أعمارنا. فما من تجربة مر بها إنسان إلا وتركت فيه أثرًا، لكن الفارق بين الناس أن بعضهم يجعل من الخطأ معلمًا، بينما يجعله آخرون سجانًا. الأول يتعلم ثم يمضي، والثاني يبقى واقفًا عند اللحظة ذاتها، يكرر الألم وكأنه يحدث للمرة الأولى.
ومن أعظم صور الرحمة التي يحتاجها الإنسان أن يتعلم كيف يحاور نفسه بلطف. فكما نلتمس الأعذار لمن نحب، يجدر بنا أن نمنح أنفسنا فرصة للتصحيح، لا أن نحكم عليها بالإعدام المعنوي كلما تعثرت. فالقسوة لا تصنع إنسانًا أفضل، وإنما تصنع روحًا خائفة، تتردد في كل خطوة خشية الوقوع في خطأ جديد.
ولعل أجمل ما يطمئن القلب أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الخطأ نهاية الطريق، بل فتح أبواب التوبة والمغفرة، وجعل رحمته تسبق غضبه، وأحب من عباده من يعود إليه نادمًا، لا يائسًا. فإذا كانت رحمة الخالق تتسع لضعف الإنسان، فمن الظلم أن نضيق نحن على أنفسنا بما وسعه الله.
إن الحياة ليست امتحانًا في الكمال، وإنما رحلة في التعلم والنضج. ومن لا يخطئ، لا يتعلم، ومن لا يتعلم، يبقى أسير خوفه. لذلك فإن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد عثراته، وإنما بقدرته على النهوض بعدها، وبالشجاعة التي يحمل بها دروسه إلى المستقبل بدلًا من أن يحمل أوجاعه.
فلننتبه إلى حديثنا مع أنفسنا، فالكلمات التي لا يسمعها أحد قد تكون أكثر تأثيرًا من كل ما يقال لنا. وإذا كان لا بد من حوار بعد كل خطأ، فليكن حوارًا يفتح بابًا للأمل، لا نافذة لليأس، ويزرع حكمة جديدة، لا جرحًا جديدًا.
فالخطأ قد يكون بداية النضج، لكن الحوار الداخلي هو الذي يقرر إن كان سيصبح سلمًا نصعد به إلى حياة أكثر وعيًا، أم قيدًا نبقى به أسرى للماضي.
ليست قوة الإنسان في ألا يخطئ، بل في ألا يسمح لخطئه أن يسرق منه إيمانه بنفسه. فكل عثرة تحمل في طياتها درسًا، وكل نهوض يكتب ميلادًا جديدًا للروح، وما بين السقوط والقيام يولد الإنسان الأكثر حكمة، لا الإنسان الأكثر كمالًا.