"البيوت التي كانت تتحدث بلغة الحب"
حين كان الحب يسكن التفاصيل
بقلم داليا سمير شحاتة
ليس كل حب يقال وليس كل صمت يخلو من المشاعر
هناك زمن مضى كانت فيه البيوت تشيد بالحجارة لكنها تحفظ بالمحبة لم يكن أحد يجيد الحديث عن العاطفة ولم تكن كلمة أحبك تتردد كثيرًا ومع ذلك لم يشعر أحد بفقر المشاعر أو جفافها كان الحب حاضرًا لكنه اختار لغة أخرى لغة لا تسمعها الآذان بقدر ما تلمسها الأرواح
في بيوتنا القديمة كانت الأم تعدل غطاء صغيرها في منتصف الليل وتوقظه قبل أن يسبق النهار خطواته وكانت تعد الطعام وهي تراقب وجوه أبنائها أكثر مما تراقب القدر على النار فتشبع من ابتسامتهم قبل أن تشبع من الطعام
وكان الأب يعود من يومه الطويل مثقلًا بتعب الحياة لكنه يترك كل ما أثقله خارج باب البيت حتى لا يرى أبناؤه سوى وجهه المطمئن لم يكن يخبرهم أنه يفعل كل ذلك من أجلهم لأنه كان يؤمن أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى شرح وإنما يحتاج إلى دوام
أما الجدات فكن يصنعن الدفء من أبسط الأشياء يقتسمن اللقمة ويؤجلن رغباتهن ويمنحن أفضل ما لديهن لأحفادهن ثم يبتسمن وكأنهن أصحاب الحظ الأوفر لم يكن ذلك تضحية في نظرهن بل كان الفطرة التي ولدت عليها القلوب الصافية
كبرنا وتبدلت الأزمنة وأصبحت الكلمات أكثر حضورًا من الأفعال وصارت وسائل التعبير أكثر من أي وقت مضى لكن العلاقات فقدت شيئًا من صلابتها وأصبحنا نكتب المشاعر بسهولة بينما نعجز أحيانًا عن تقديم موقف صادق أو احتواء حقيقي في لحظة يحتاج فيها من نحب إلى وجودنا أكثر من حاجته إلى كلماتنا
علمتنا الأيام أن الكلمة مهما بلغت من الجمال لا تستطيع أن تقوم مقام الفعل وأن الحب الذي لا يترجم إلى اهتمام يظل مجرد صوت عابر أما المحبة التي تتحول إلى مواقف فإنها تبقى حية في الذاكرة حتى بعد غياب أصحابها
وحين نستعيد صور الماضي لا نتذكر عدد المرات التي قيلت لنا فيها كلمة أحبك بقدر ما نتذكر اليد التي أمسكت بأيدينا حين تعثرنا والعيون التي سهرت على راحتنا والقلوب التي احتوت ضعفنا دون أن تطلب شكرًا أو تنتظر مقابلًا
إن أعظم ما تركته لنا البيوت القديمة ليس الأثاث العتيق ولا الجدران التي شهدت أعمارنا وإنما ذلك الدرس الإنساني العميق الذي يخبرنا أن المحبة لا تصنع ضجيجًا وأن القلوب الصادقة تعرف كيف تقول كل شيء دون أن تنطق بشيء
رحم الله من غابوا فقد تركوا في أرواحنا إرثًا من الحنان لا يزول وحفظ الله من بقي منهم فهم آخر الشهود على زمن كانت فيه المحبة تسكن التفاصيل وكانت الأفعال أبلغ من الكلام وكان الدفء يولد من أبسط الأشياء
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه لمن نحب اليوم هو أن نعيد إلى بيوتنا تلك اللغة القديمة لغة الحضور ولغة الاهتمام ولغة الأفعال التي لا تحتاج إلى تصفيق لأنها تترك أثرها في القلب وتبقى هناك ما بقيت الحياة