فلسفة المادة والروح: ثنائية الطين والنور
قراءة نقدية في رواية "درب "
للكاتب وسام عبد الباقي
-------------------
طالما كان هذا الصراع بين المادة والروح هو الوقود الذي يغذي أعظم الأعمال الأدبية، حيث يُترجم في الغالب إلى ثنائية الطين والنور فتتمزق الشخصيات بين الرغبات المادية ومواجهة صحوة الضمير أو السعي الروحي (كما في " فاوست" الذي باع روحه للشيطان من أجل المعرفة والمتاع المادي)، حيث يمثل الأدب والشعر تحديدًا المحاولة الإنسانية الأرقى لتحويل "المادة" (الحبر والورق والكلمات المصمتة) إلى "روح" (أفكار، مشاعر، ودهشة عابرة للزمن).
حول هذه الفكرة تأتي رواية "رحلة نفس" -والتي وسمها الكاتب وسام عبد الباقي باسم "درب"- كباكورة لأعماله الروائية، لتعلن عن ميلاد نص سردي مغاير يتخذ من "تيار الشعور" الغربي متكأً بنائياً، ومن الفلسفة الصوفية الإسلامية أفقاً دلالياً، فالرواية في جوهرها مأزق وجودي، ومونولوج داخلي ممتد عبر 29 فصلاً، يسعى من خلاله البطل "زين" لترميم ذاته المتشظية بين نقيضين: أسر المادة وانعتاق الروح
البنية الشكلية وسيمياء التكرار البصري
يتجاوز الكاتب في "درب" الهياكل الكلاسيكية للرواية (الحدث، العقدة، الحل) لصالح بنية دائرية صدمية تترجم الحركة النفسية للبطل. تظهر أولى عتبات النص التميز الشكلي من خلال "عناوين الفصول المكررة" (فقد فقد، تجلي تجلي، قبض قبض... إلخ)، وهي بوابات لا تمثل مجرد وظيفة تزيينية، بل تعكس هندسة "الصدى الروحي"؛ فالكلمة المكررة مرآة ترتد فيها النفس على ذاتها.
يتوازى هذا التكرار اللفظي مع لازمة زمنية بصرية تحضر بانتظام على شاشة الساعة أو المنبه: (07:07)، هذا الرقم المتطابق يعبر سيميائياً عن تلاشي "الزمن الموضوعي" لصالح "الزمن النفسي" فالكاتب هنا يهدم الجدار الفاصل بين اليقظة والحلم، ليتحول الفضاء الزمني إلى مساحة ذاتية تتسع وتضيق تبعاً للمقامات الصوفية التي يتقلب فيها البطل.
جدلية الهوية: صراع "الزينين" والبوصلة الموروثة
يتحرك السرد في "درب"" عبر ثلاثة خطوط متوازية من الصراع، تُشكل بمجموعها رحلة البحث عن "الأصل"
الصراع الاجتماعي والعاطفي: تمثله الحبيبة السابقة "روان" وشلة الجامعة، إنهم لا يمثلون أشخاصاً فحسب، بل هم تجسيد لـ "زين القديم" الغارق في العبثية والرفاهية المادية، ويتجلى هذا الصراع في السقوط المؤقت للبطل في "شرم الشيخ" وفقدانه للمسبحة، كإشارة رمزية لتيه النفس عندما تغرق في طينيتها وتنفصل عن ميثاقها الروحي.
الصراع الفكري والفلسفي (مأزق الوعي المعاصر): يتبدى هذا الخط عبر شخصية "مازن" الذي يطرح تساؤلات تفكيكية حادة، متأثراً بطروحات "الديانة الإبراهيمية" في نسختها البراجماتية الغربية، يحاول مازن خلط الأوراق وإلغاء خصوصية التجربة التعبدية باسم "الوعي العقلاني البارد"، معتبراً الالتزام الطقسي مجرد قشور، وهو ما يضع "زين" في مواجهة مباشرة بين عقلانية تفكيكية وعاطفة إيمانية متجذرة.
العبور والوصول (نور اليقين): مقابل إغواء "روان" وتشكيك "مازن"، يبرز إرث الجد الشيخ الراحل متمثلاً في "مسبحة العقيق المشتعل" كبوصلة ووجود مرشد غامض هو "سليم" (الذي يحيل وعي القارئ إلى شمس التبريزي)، لتنتهي المكابدة بالوصول والسكينة عبر الزواج من "نور" ابنة الشيخ، والتي صاغها الكاتب في صورة مجازية تحاكي المآذن التي تربط السماء بالأرض.
التوظيف الأسلوبي وتقاطع الحواس
تكمن المزية الأسلوبية الكبرى للكاتب في قدرته على توطين تقنية تيار الشعور الغربية داخل مناخات التصوف الإسلامي، لم يسقط الكاتب في غموض المصطلحات الإشراقية المعقدة، بل قدم مفاهيم مثل (القبض، البسط، التجلي) بنعومة سردية تقربها من القارئ المعاصر دون الإخلال بعمقها المعرفي.
يمتاز النص بـ "شعرية السرد" القائمة على الجمل القصيرة المكثفة المشحونة بطاقة حسية عالية، حيث تندمج الحواس الخمس لتقديم فضاء وجداني متكامل؛ ففي اللمس: يتحول الذكر إلى رجفة في الجسد، وتغدو المسبحة كالفحم المشتعل في الكف، ومع البصريُضاء السرد بالألوان الأرجوانية وسماء المغارب الخافتة، والأخضر الذي يكسو الأضرحة، وفي السمع يتردد صدى الأقدام الحافية فوق رخام المحاريب ممزوجاً بأصوات الأذان، وبحاسة الشم يعبق النص برائحة بخور الأباجية العتيق والياسمين العالق بعباءة الجد، ويستخدم التذوق في صورة مجازية مبتكرة، حيث يمنح الكاتب المسبحة طعماً باللسان كحبة تمر عتيقة غُمست في حديث الجد.
يمنح هذا التراسل الحسي الجغرافيا القاهرية التاريخية (من السيدة نفيسة والحسين إلى الأباجية) بعداً أسطورياً، يعززه استخدام لغة مرنة تمزج الفصحى بالعامية والسياق المعاصر (الفرانكو آراب) لتعكس تشظي لغة الشاب المعاصر.
البُعد المعرفي والاشتباك مع الواقع
لم يخترق النص العوالم الصوفية هرباً من الواقع، بل وظف الصوفية كأداة لمواجهة هذا الواقع، ويظهر ذلك في الاشتباك الذكي مع الأبعاد الفكرية والسياسية المعاصرة كـ "الديانة الإبراهيمية"، حيث استطاع الكاتب ببراعة تقديم هذا الطرح الشائك كجزء أصيل من الحوار الفلسفي الروائي وليس كمقحم عليه، مستعرضاً حيرة إنسان العصر بين الالتزام بالضوابط المعرفية للشريعة (الفقه قبل الذوق، والأدب قبل الطلب) وبين التفكيكية العقلانية الغربية، مما يرفع الرواية من مجرد سيرة روحية فردية إلى نص يناقش أزمة الهوية المعاصرة.
وأخيرا
إن رواية "رحلة نفس / درب" مغامرة سردية متميزة للكاتب وسام عبد الباقي؛ فهو نص لا يقدم إجابات جاهزة بقدر ما يشرع أبواب التساؤل والدهشة، هو عمل يملك القدرة على تغيير القارئ وهز قناعاته المستقرة، ليجد نفسه في نهاية المطاف شريكاً لـ "زين" في رحلته، مردداً معه في غمار التجربة