ازهر... فالقلب حين يعطي يزهر قبل أن يثمر
كتبت : داليا سمير شحاته
في هذا العالم الذي تتسارع فيه الخطى، ويزدحم بالانشغالات، يبقى العطاء اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، لأنه يصل إلى القلوب قبل الآذان، ويترك أثره في الأرواح قبل أن تراه العيون.
ليس العطاء أن تمتلك الكثير فتعطي، بل أن تمتلك قلبًا يعرف كيف يفيض بالمحبة وإن قلّت الإمكانات. فكم من كلمة صادقة أعادت الأمل إلى روح أوشكت على الانطفاء، وكم من ابتسامة صادقة كانت بلسمًا لقلب أنهكته الحياة، وكم من موقف نبيل ظل عالقًا في الذاكرة سنوات، لأن صاحبه منح جزءًا من إنسانيته قبل أن يمنح شيئًا من يده.
العجيب في العطاء أن أول من ينال خيره هو صاحبه؛ فكل خير يخرج من القلب يعود إليه سكينة، وكل يد تمتد لتساند غيرها ترتفع معها في ميزان الإنسانية. لذلك لا يذبل القلب الكريم، لأنه يستمد حياته من نبع لا ينضب، نبع الرحمة والمحبة والإخلاص.
إن أجمل القلوب ليست تلك التي امتلأت بما أخذت، بل التي اتسعت بما أعطت. فالعطاء لا يُنقص الإنسان، بل يزيده صفاءً، ويهذّب روحه، ويجعله أكثر قدرة على احتمال قسوة الأيام. وما يبقى من أعمارنا ليس ما جمعناه، بل ما تركناه من أثر طيب في نفوس الآخرين.
ازهر أينما كنت، واجعل وجودك رحمة، وكلماتك نورًا، وأفعالك بذورًا للخير. فلا أحد يعلم أي أثر صغير قد يغيّر حياة إنسان، ولا أي دعوة صادقة قد تفتح لك أبوابًا من الخير لم تكن تتوقعها.