#منى_فتحي_تكتب
لا شيء يُبسط روحي فعلًا مثل ذهابي أسبوعياً لمشاهدة عرض «متولي وشفيقة» على خشبة مسرح الطليعة.
هذه المرة السادسة أو ربما السابعة، لم أعد أتذكر العدد بدقة، لكنني أتذكر جيدًا ذلك الشعور الذي لا يتغير أبدًا.
وفي هذه الليلة تحديدًا، كان للعرض طعم مختلف، لأنني حضرت بصحبة جميلة الروح صديقتي Hana Gaafar وكأن مشاركة هذا الوجع الإنساني مع شخص قريب للقلب جعلت التجربة أكثر دفئًا وصدقًا.
في كل مرة أجلس فيها أمام هذا العرض، أشعر وكأنني أشاهده للمرة الأولى تمامًا نفس الصدمة، نفس الضحك الذي يخرج فجأة من قلب الوجع، نفس الألم، ونفس الإحساس الثقيل الذي يظل عالقًا داخلي بعد انتهاء الليلة وكأن العرض لا يُعاد تقديمه بل يُولد من جديد كل مرة.
«متولي وشفيقة» هنا لا يعود مجرد حكاية شعبية نعرف نهايتها مسبقًا، بل يتحول إلى سؤال مفتوح عن القسوة التي يمكن أن يمارسها المجتمع باسم الشرف، وعن النساء اللواتي دفعن ثمن أخطاء لم يرتكبنها وحدهن.
مؤلف العرض Mohammed Ali لا يتعامل مع الحكاية كتراث يجب الحفاظ عليه، بل كجرح يجب النظر إليه من جديد.
ما يفعله المخرج الأستاذ Amir El Yamany ليس مجرد إعادة تقديم لسيرة شعبية، بل إعادة محاكمة كاملة لها برؤية إخراجية واعية وموجعة، يأخذنا داخل عقل متولي نفسه، لا لنبرره، بل لنرى كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى سجين لوعيه بعد فوات الأوان.
العرض يتحرك بين الواقعي والتعبيري بسلاسة مدهشة، كأننا داخل ذاكرة لا تتوقف عن إعادة الجريمة في محاولة مستحيلة للفهم أو الغفران.
أداء Mohamed Faried Fouad في دور متولي كان واحدًا من أكثر الأشياء صدقًا على الخشبة.
رجل يبدو وكأنه يحمل عقابه فوق كتفيه طوال الوقت، بصوت يختنق بالندم، وجسد يتحرك كأنه يجر خلفه عمرًا كاملًا من الذنب.
أما شفيقة، فقد كانت رحلة إنسانية كاملة، بدأت مع الطفلة دالا حربي التي جسدت البراءة الأولى، ثم Menna Elyamany في مرحلة التردد والانكشاف المبكر على العالم، وصولًا إلى الأداء الموجع لـ Yousra El-Mansy التي منحت شفيقة روحًا حقيقية، لا ضحية تقليدية كانت تؤدي وكأنها تطلب حق الشخصية في أن تُفهم، لا أن تُدان.
ولم يكن وهج العرض قائمًا على بطليه فقط، بل امتد إلى كل الشخصيات المحيطة بهما.
Ahmed Ouda قدم شخصية دياب بوصفه بداية الخذلان الأول، بينما جاء Eslam Mustafa كصوت للمجتمع الذي يراقب ويحاكم.
أما الفنان صلاح السيسي، فكان حضوره كأب ثقيلًا ومؤلمًا، رمزًا للسلطة التي تصمت حتى تقع الكارثة.
وقدمت Toka Tarek حضورًا صادقًا كابنة العم، كأنها شاهد آخر على دائرة العادات التي لا ترحم.
ومن أكثر العناصر إبهارًا في العرض، تلك الحركة الدرامية التي صاغها Ahmed Mano بحس شديد الوعي والإنسانية، حيث لم تكن الحركة مجرد استعراض بصري، بل لغة كاملة تنطق بما تعجز الشخصيات عن قوله.
الأجساد هنا كانت تصرخ، ترتبك، تنهار، وتقاوم، وكأن كل خطوة على الخشبة تحمل وجعًا قديمًا لا يهدأ.
الجوقة بحضورها الحركي والصوتي بدت كضمير يطارد متولي بلا رحمة، بينما جاءت الانتقالات وكأنها تدور داخل ذاكرة مشوشة لا تتوقف عن إعادة الجريمة من جديد.
حتى الأرجوحة المعلقة على الخشبة لم تكن مجرد قطعة ديكور، بل رمزًا لطفولة ظلت معلقة في بيت لم يعرف يومًا كيف يحمي أبناءه.
ويحسب لإدارة المسرح المخرج Sameh Basioony والدكتورة Nehad Elsayed
هذا الاهتمام الواضح بتقديم تجربة متكاملة بهذا القدر من الحب والانضباط، وهو ما يظهر بوضوح في حالة التنظيم، والاهتمام بالتفاصيل، والحفاظ على روح العرض حية بهذا الشكل في كل ليلة
المدهش حقًا أن «متولي وشفيقة» لا يفقد حرارته مهما تكرر حضوره في كل مرة، أشعر أن الممثلين يعيشون الحكاية لا يؤدونها، وأن الخشبة نفسها ترتجف معهم والجمهور؟
لم يعد مجرد جمهور، بل طرف داخل المأساة، يضحك، ويتألم، ويصفق كأنه يحاول أن يعتذر متأخرًا.
في النهاية، هذا العرض لا يتحدث عن الماضي فقط.
إنه عن الآن عن كل مجتمع ما زال يمنح السكين للقاتل، ثم يطلب من الضحية أن تصمت تحية كبيرة لكل فريق العمل على عرض لا يُشاهد فقط بل يبقى داخلنا طويلًا، كأثر لا يزول. ❤️
مسرح الطليعة - الصفحة الرسمية
#متولي_وشفيقة
#مسرح_الطليعة