رؤية الغزالي النافذة… دستور السكينة في زمن الحروب
كتبتها: داليا سمير | من نافذة الإيمان والحكمة
في زمنٍ تتسارع فيه نشرات الأخبار، وتتعالى فيه أصوات الانفجارات، وتضطرب فيه خرائط السياسة بين صراعٍ هنا وحربٍ هناك، يقف الإنسان حائرًا:
هل العالم ينهار؟
أم أننا فقط نرى المشهد بلا عمقه؟
وسط الحديث عن السودان وفلسطين، ومع توترات القوى الكبرى، يتزايد الشعور بأن الأرض تميد تحت الأقدام. غير أن قراءة المشهد بعين الإيمان تختلف تمامًا عن قراءته بعين الخوف.
كان الشيخ محمد الغزالي يرى الأحداث بعينٍ نافذة؛ عينٍ تقرأ سنن الله خلف العواصف، وتبحث عن الحكمة وسط الركام. لم يكن يتعامل مع الحروب والفتن باعتبارها فوضى مطلقة، بل باعتبارها جزءًا من نظام إلهي دقيق، تتحرك فيه الأسباب وفق مشيئة لا يغيب عنها شيء.
أولًا: ليس في الكون عبث
لا تتحرك بارجة في بحر، ولا ينطلق صاروخ في سماء، ولا تقع أزمة تهزّ اقتصادًا، إلا بعلم الله. هذه الحقيقة ليست دعوة للاستسلام، بل مصدر طمأنينة؛ فالعالم ليس متروكًا للصدفة، وإنما محكوم بتدبير حكيم.
ثانيًا: الابتلاء قانون عام
الحروب والزلازل والأزمات ليست استثناءات طارئة، بل جزء من سنّة الابتلاء التي تشمل الشعوب والأفراد. إنها تمحيص يكشف ما في القلوب:
من يعتمد على القوة وحدها، ومن يتكئ على الله؟
من يضطرب، ومن يثبت؟
ثالثًا: الدنيا ممرّ لا مقرّ
لسنا في قصرٍ آمنٍ دائم، بل في طريقٍ مليء بالمنعطفات. خُلقنا لنتعلم، ونُختبر، وننضج. والراحة الكاملة ليست هنا. هذه الحقيقة، حين تستقر في القلب، تخفف كثيرًا من وطأة الأحداث.
رابعًا: في قلب المحنة منبّه رحمة
حين تنشغل الأمم بسباق السلاح، ويظن الإنسان أن القرار بيد القوى الكبرى وحدها، تأتي أحداث تهزّ هذا الوهم. قد تبدو قاسية، لكنها تذكّر الإنسان بحدوده، وتعيده إلى سؤال المعنى والغاية.
﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
من رحم الأزمات قد يولد وعيٌ جديد، وإيمانٌ أعمق، وتصحيح لمسارات كانت تنحدر في صمت.
خامسًا: بين “أنا” و“يا رب”
حين يقول الإنسان: “أنا بخبرتي، أنا بقوتي، أنا بتحليلاتي”، يثقل الحمل على كتفيه.
وحين يقول: “يا رب… أنا ضعيف لكني أثق بك”، يتحول الخوف إلى سكينة، والارتباك إلى تسليم واعٍ.
الإيمان لا يلغي العمل ولا الوعي السياسي، لكنه يمنع الذعر من السيطرة، ويجعل القلب ثابتًا وسط المتغيرات.
النداء الأخير: ماذا لو جاءت اللحظة؟
ليست القضية في متى تنتهي الحرب، بل في حال القلب إن انتهت القصة الشخصية فجأة.
أين نقف؟
في محراب الرجاء؟
أم في زحام التأجيل؟
{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}
تذكير لا لإغراق القلوب في الرعب، بل لإيقاظها إلى معنى العودة قبل فوات الأوان.
في زمن الفتن، لا يحتاج الإنسان إلى مزيد من الذعر، بل إلى دستور سكينة.
حافظ على صلاتك، تمسك بأورادك، واجعل حضورك في الفضاء الرقمي باعثًا للطمأنينة لا للهلع. فالكلمة قد تكون نجاة لقلبٍ يكاد يغرق.
نسأل الله أن يحفظ أهلنا في السودان وفلسطين، وأن يجعل هذه الفتن بردًا وسلامًا، وأن ينزل على القلوب سكينةً تطفئ نيران الخوف.
فالرحمة لا تُغلق أبوابها… مهما اشتدّ الليل.