recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

بقلم الاستاذه أميره محمود بوابه الجمهوريه الجديده شبكه اعلام مصر عبير البدايات في حارة الحب

(أولاد ربيع ) قصة قصيرة ....من واقع الحياة .
بقلم : أميرة محمود 
(عبير البدايات في حارة الحب)
​كانت الشمس تميل للغروب، تغازل ستائر الدانتيل البيضاء في شقة صغيرة تقع في عمارة (والد ألفت). في تلك الشقة، كان يسكن الهدوء والسكينة. 
(ألفت)، المعلمة الشابة الرقيقة التي كانت تزرع العلم في عقول طلاب الإعدادية، وجدت شريك أحلامها في (ربيع). لم يكن (ربيع) مجرد زوج، بل كان إماماً للمسجد، يحمل في صدره القرآن وفي وجهه نور الطاعة.
​كانت حياتهما لوحة فنية بسيطة؛ هو يعود من المسجد برائحة المسك، وهي تستقبله بابتسامة تمحو تعب النهار.
 تزوجا في تلك الشقة التي شهدت على أحلامهما الكبيرة رغم إمكانياتهما المحدودة. 
وصف (ربيع) حبه لـ (ألفت) يوماً قائلاً:
 "أنتِ رزقي الذي سأحاسب على شكره".
​رزقهما الله بـ (أحمد)، بكر أحلامهما، ثم جاء (هشام) ليزيد البيت بهجة، وتبعهما (سهر) و(عماد).
 ست سنوات من الرضا التام، كان البيت فيها يضج بضحكات الأطفال وترتيل (ربيع) للقرآن في الفجر، يحيطهم جو من الاحتواء الذي لا تشتريه أموال الدنيا.

​(غدر الزمان وعهد الكفاح)
​لكن القدر كان يخبئ لـ (ألفت) اختباراً زلزل كيانها. 
فجأة، وبلا مقدمات، رحل (ربيع). رحل الإمام وترك خلفه أربعة طيور لا تقوى على الطيران، وزوجة في مقتبل العمر واجهت الدنيا بقلب مكسور. 
لم يترك (ربيع) ثروة، سوى معاش بسيط وقطعة أرض في "حي شعبي" نابض بالحياة.
​في البداية، كان حضن (والد ألفت) وأخويها هو الملاذ. وقفت العائلة بجانب "البنت الوحيدة"، لكن (ألفت) قررت أن تكون هي "الرجل" الذي يحمي هذه الأسرة.
 انتقلت للعيش في الحي الشعبي حيث قطعة الأرض.
​ذاك الحي كان له سحر خاص؛ بيوت متلاصقة كأنها تتعانق، وروائح الخبز الساخن تمتزج برائحة الياسمين المتدلي من الشرفات. 
في رمضان : 
 يتحول الحي إلى جنة؛ زينة ملونة تشق السماء، وموائد رحمن تمد في كل زقاق، حيث تتجلى أسمى آيات الحب بين الجيران.
 في أحد الأيام، شبّ حريق نتيجة ماس كهربائي في شقتها، ولم تكد تصرخ حتى وجدت أصحاب المحلات والشباب يتسابقون، أخمدوا النيران قبل أن تلتهم الذكريات، مؤكدين لها أن : 
 (أولاد ربيع) هم أولاد الحي كله.

​( عرق البناء وحصاد المرار)
​مرت السنون، وتحولت (ألفت) إلى شعلة عمل لا تنطفئ. كانت تعمل ليل نهار، تعطي الدروس وتدخر القرش فوق القرش لبناء قطعة الأرض. 
بَنَت المنزل طابقاً تلو الآخر بعرق جبينها. 
نجحت في تزويج (أحمد) و(هشام)، وجهزت لهما شققاً فاخرة في بنايتها، ورزق كل منهما بولد وبنت، وأصبح للبيت أحفاد يملؤون الدنيا صخباً.
​ظلت (سهر) و(عماد) في كنفها، لكن قلبها كان دائماً يميل نحو (أحمد)، الابن الأكبر. 
كانت تراه امتداداً لـ (ربيع). منحت له كل شيء، أعطته "فيزا" مدخراتها، وثقت به ثقة عمياء، وكأنها تودع لديه تعب سنينها ليحفظه لإخوته.
​لكن الصدمة كانت تفوق الاحتمال. في لحظة طيش وبحث عن ربح سريع في مسابقات تشبه القمار الإلكتروني، سحب (أحمد) كل الرصيد. لم يكتفِ بمال أمه، بل مد يده إلى 400 ألف جنيه، كانت هي ميراث أخته (سهر) الذي ادخرته الأم لتجهيزها.
 خسر (أحمد) كل شيء في ليلة سوداء.

​( خيبات متتالية وانكسار القلب)
​وقفت (ألفت) مذهولة، تجمدت الدموع في عينيها. لم تكن تبكي على المال، بل كانت تبكي على "الأمان" الذي ضاع. 
خافت أن تشتد عليه فتخسره، وخافت أن تصمت فيضيع ما تبقى. لم تجد سوى سجادة صلاتها، تتضرع إلى الله بقلب محترق: 
"يا رب، برد ناري، واهدِ لي أولاد ربيع".
​بينما كانت تلملم جراحها من طعنة (أحمد)، جاءت الطعنة الثانية من (هشام). دون علمها، ودون أدنى تقدير لتعبها في بناء هذا البيت، قام (هشام) ببيع شقته التي زوجته فيها ليشتري سيارة فارهة، باحثاً عن المظاهر على حساب استقرار العائلة ومبدأ "بيت العيلة" الذي أفنت عمرها من أجله.

​أدركت (ألفت) حينها أن الدلال الزائد والاحتواء الذي لم يرافقه حزم، جعل الأبناء يظنون : 
 أن المال ينبت في الأرض كالعشب، لا يعرفون أن كل طوبة في هذا البيت كانت غمسة عرق ودمعة حرمان.
​إن قصة (أولاد ربيع) ليست مجرد حكاية عن كفاح أم، بل هي صرخة في وجه كل ابن وابنة: 
إن أموال آبائكم ليست غنيمة، بل هي "عمر مسكوب" في قوالب من التضحية.
لا يكتمل الحب إلا بالمسئولية، ولا يثمر العطاء إلا بالتقدير. يجب أن يشارك الأبناء آباءهم في كل خطوة، أن يشعروا بمرارة الحصول على الدرهم قبل حلاوة إنفاقه. (ألفت) التي لا تزال تنظر إلى صورة (ربيع) وتعتذر له لأنها لم تزرع في أولادهما "قيمة التعب"، تعلم تماماً أن الحب الحقيقي هو أن نعلم أولادنا كيف يحافظون على الصرح لا كيف يسكنون فيه فقط.
​فيا كل ابن، قبل أن تمد يدك لمال والديك، انظر إلى تجاعيد أيديهم، واعلم أن كل "قرش" تخسره برعونة، هو قطعة من روحهم لن تعود. 
عودوا إلى حضن التقدير، فالدنيا فانية، ولا يبقى سوى برٍ يُنبت في القلوب أماناً، ووفاءً يجعل لاسم (أولاد ربيع) هيبةً تليق بذكرى والدهم الراحل وكفاح أمهم العظيم.

​وافر تحياتي 💐

عن الكاتب

ررر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا