فيلم «الست»… عمل فني أم شرارة جدل؟ ولماذا انقسم حوله الجميع؟
كتبت أميرة كمال ✍️
منذ اللحظة الأولى لطرح فيلم «الست»، لم يمر العمل بهدوء كما اعتادت بعض الأفلام، بل دخل مباشرة في دائرة الجدل، واشتعلت حوله منصات التواصل الاجتماعي، وتباينت الآراء ما بين الإشادة الحادة والهجوم العنيف، ليصبح السؤال الأهم: لماذا أثار فيلم «الست» كل هذه البلبلة؟ وهل نحن أمام عمل فني جريء، أم صدمة مقصودة، أم سوء تقدير في الطرح؟
عنوان مستفز قبل المشاهدة
أول أسباب الجدل كان العنوان نفسه.
كلمة «الست» تحمل في الوعي الجمعي المصري رمزية ثقيلة؛ فهي ليست مجرد توصيف أنثوي، بل اختزال لتاريخ طويل من القوة، والأمومة، والسيطرة أحيانًا، والتضحية أحيانًا أخرى. لذلك، جاء العنوان محمّلاً بتوقعات مسبقة لدى الجمهور، بعضهم انتظر عملاً يمجّد المرأة، وآخرون خافوا من تشويه صورتها أو اختزالها في قالب واحد.
كسر الصورة النمطية للمرأة
الفيلم لم يقدم المرأة بالشكل التقليدي المريح للمشاهد، بل اختار الاقتراب من مناطق رمادية:
امرأة قوية… لكن متناقضة.
مسيطرة… لكنها مهزومة من الداخل.
ضحية أحيانًا… وجلاد أحيانًا أخرى.
هذا الطرح أربك شريحة كبيرة من الجمهور، خاصة أولئك الذين يفضلون الصورة البيضاء أو السوداء، بينما وجد فيه آخرون جرأة فنية نادرة تحاول كسر القوالب الجاهزة.
لغة الفيلم بين الواقعية والصدمة
من أكثر النقاط التي فجّرت الجدل كانت لغة الحوار والمشاهد.
الفيلم اعتمد على واقعية قاسية، بلا تلطيف، ما جعل البعض يراه صادقًا إلى حد الإيلام، بينما اعتبره آخرون مبالغًا فيه أو متعمدًا لإحداث صدمة فقط.
النقاد انقسموا هنا بوضوح:
فريق رأى أن الصدمة جزء أصيل من رسالة الفيلم، وأن الفن ليس مطالبًا دائمًا بإرضاء الذائقة العامة.
وفريق آخر اعتبر أن الجرأة تحولت إلى استفزاز، وأن بعض المشاهد كان يمكن معالجتها بذكاء بصري أعمق دون اللجوء للمباشرة.
هل الفيلم يهاجم المجتمع أم يكشفه؟
سؤال محوري طُرح بقوة:
هل «الست» فيلم يهاجم القيم الاجتماعية؟ أم يضع المرآة أمامها بلا مجاملة؟
أنصار الفيلم يرون أنه يكشف المسكوت عنه:
العلاقات المختلة، السلطة داخل الأسرة، القهر المتبادل، وتناقضات الأدوار الاجتماعية.
أما معارضوه فيعتبرون أنه قدّم المجتمع بصورة قاتمة، وركّز على السلبيات دون تقديم أفق أو حلول، ما قد يرسخ صورة مشوّهة بدلًا من إثارة وعي حقيقي.
أداء تمثيلي أشعل الخلاف
الأداء التمثيلي كان أحد أكثر العناصر إثارة للنقاش.
هناك من اعتبره أداءً جريئًا ومتجردًا من التجميل، يصل لحدود الاعتراف الإنساني القاسي.
وفي المقابل، رأى آخرون أن الأداء اتسم بالمبالغة أو افتقد التعاطف، ما جعل الشخصية الرئيسية منفّرة بدلًا من أن تكون مفهومة.
النقاد: عمل مهم لكنه غير مريح
في المجمل، يمكن تلخيص رأي شريحة واسعة من النقاد في جملة واحدة:
«فيلم مهم… لكنه غير مريح».
فهو عمل لا يُشاهد للتسلية، ولا يقدّم إجابات سهلة، بل يطرح أسئلة محرجة عن السلطة، والمرأة، والمجتمع، والعلاقات الإنسانية. بعض النقاد أشادوا بشجاعته في الطرح، حتى لو اختلفوا مع بعض اختياراته الفنية، بينما ركّز آخرون على افتقاده للتوازن بين الرسالة الفنية والتلقي الجماهيري.
البلبلة… نجاح أم أزمة؟
اللافت أن الجدل نفسه تحوّل إلى جزء من نجاح الفيلم.
فيلم «الست» لم يمر مرور الكرام، ولم يُنسَ بعد أيام من عرضه، بل فتح نقاشًا عامًا حول دور الفن، وحدود الجرأة، ومن يملك حق تعريف «المرأة» في السينما.
وهنا قد يكون السؤال الحقيقي ليس:
هل الفيلم جيد أم سيئ؟
بل:
هل ما زلنا مستعدين لتقبّل فن لا يشبه توقعاتنا؟
في النهاية
«الست» ليس فيلمًا للإجماع، وربما لم يُصنع ليكون كذلك.
هو عمل اختار أن يقف في منطقة شائكة، وأن يدفع ثمن ذلك جدلًا وهجومًا وانقسامًا. لكنه في الوقت نفسه، أعاد طرح سؤال قديم متجدد: