"بنات شارع الألفي"
بقلم : أميرة محمود
كان شارع الألفي في وسط القاهرة يرتدي حُلّته الشتوية الفاخرة. السماء رمادية كأجنحة الحمام، تفرغ زخات مطر خفيفة تلمع فوق بلاط الشارع "الإنترلوك" الذي يمتد كممشى ملكي بوسط البلد. الأشجار العارية من أوراقها بدت وكأنها تماثيل من النحاس، تتدلى منها أضواء المقاهي الصفراء الخافتة، لترسم لوحة تجمع بين دفء الماضي وبرودة الحاضر.
وسط هذا المشهد، كانت ( رضوى ) تتحرك بخفة كفراشة لا ترهبها الرياح. شابة في مقتبل العمر، بملامح مصرية أصيلة تخفي خلف هدوئها صلابة الفولاذ. تخرجت من دبلوم الإلكترونيات، فكانت تعرف كيف تصلح الدوائر المعقدة، لكن الحياة اختارت لها "دائرة" من نوع آخر: دائرة الكفاح من أجل أسرتها.
على كتفيها، كانت تحمل حقائب حريمي متنوعة، تنتقيها بذوق رفيع يضاهي أرقى المحلات، وتتحرك بين الطاولات الموزعة على أرصفة المقاهي العريقة، حيث يختلط عطر "اللافندر" برائحة القهوة العربية والتبغ المحترق.
في شقة صغيرة متواضعة بجوار الشارع، تسكن " رضوى" وأسرتها أمٌّ فاضلة، أفنت عمرها في تربية بناتها بعد رحيل الأب وهي لم تتجاوز الثامنة من عمرها. الأم التي تحولت إلى "صمام أمان" للبيت، تزرع فيهن العزة والكرامة.
بجانب رضوى، هناك ( سلمى ) الأخت الوسطى الحاصلة على دبلوم التجارة، والتي تساعد في تدبير شؤون البيت والحسابات ، و ( نور) ، الصغرى التي لا تزال في المرحلة الإعدادية، وتحلم بأن تصبح طبيبة. (رضوى) ليست مجرد أخت ، هي "الأب البديل" الذي يخرج كل صباح ليعود بلقمة العيش، مغلفة بابتسامة صبور.
في ليلة شتوية شديدة البرودة، وبينما كان الضباب يداعب واجهات المباني الخديوية، دخلت رضوى كافيه " الألفي " كانت هناك طاولة زاوية تضم ثلاثة أصدقاء ، يحيط بهم هالة من الهدوء والثقافة.
(سلوى) المخرجة السينمائية ذات النظرة الفاحصة التي ترى التفاصيل خلف الكواليس.
دكتور (صالح ) المهندس الذي يعشق هندسة الروح كما يعشق هندسة البناء.
(أميرة ) : الكاتبة والإعلامية المشهورة بذكائها العاطفي وقلمها الذي يناصر المهمشين.
اقتربت (رضوى) بأدب جم: "مساء الخير يا فندم.. تسمحوا لي أعرض عليكم تشكيلة جديدة من الشنط ؟".
وضعت( رضوى) حقيبة من الجلد الفاخر فوق الطاولة.
لم تلفت الحقيبة انتباههم بقدر ما لفتتهم "يد" (رضوى ) كانت يد شابة، لكنها خشنة قليلاً من حمل الأعباء، وعيناها تلمعان بعزة نفس غريبة.
بدأ دكتور( صالح) يتفحص خامات الحقائب، منبهراً بذوقها، بينما كانت (سلوى ) المخرجة تراقب زاوية وقوف رضوى وكأنها لقطة سينمائية عبقرية.
أما ( أميرة) فقد سحرتها نبرة صوت (رضوى) وهي تتحدث عن الفرق بين خامات الجلد الطبيعي والصناعي بذكاء "مهندسة إلكترونيات" تعشق التفاصيل.
سألتها أميرة: "أنتِ خريجة إيه يا رضوى؟".
أجابت بابتسامة فخر:
"دبلوم إلكترونيات، وبنت شارع الألفي.. والحمد لله، الشنط دي هي اللي بتعلم إخواتي".
ساد صمت مؤقت، قطعه صوت المطر وهو ينقر على زجاج الكافيه. تأثرت أميرة بعمق؛ وجدت في رضوى "البطلة" التي كانت تبحث عنها في رواياتها.
قررت في تلك اللحظة ألا تكتفي بشراء حقيبة، بل أن تشتري "الحكاية" وتمنحها للعالم.
قالت (أميرة )" وهي تمسك يد رضوى :
"يا رضوى، قصتك مش بس كفاح، دي درس في الحياة.
أنا قررت أكتب عن (بنات شارع الألفي)، وعن الأخت الكبيرة اللي بتنور طريق عيلتها".
ابتسمت رضوى، ولم تكن تعلم أن تلك الليلة هي بداية جديدة.
لم تعد مجرد بائعة حقائب، بل أصبحت رمزاً لكل فتاة مصرية تبيع الجمال في الشوارع لتصنع المستقبُل في البيوت.
ومع كل حقيبة تبيعها بعد ذلك، كانت تشعر أن شارع الألفي ليس مجرد مكان للعمل، بل هو مسرح كبير تعرض عليه قصة شرفها وكفاحها تحت زخات المطر.
وافر تحياتي 💐