recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

ليلة شتاء بارده .بقلم الاستاذه أميره محمود بوابه الجمهوريه الجديده شبكه اعلام مصر

ت​❄️ صندوق الأحلام المُشترك 🖋️
بقلم : أميرة محمود 

​في ليلة شتاء باردة 
​كانت نافذة غرفة الدراسة الزجاجية تئن تحت وطأة عاصفة شتاء قارس، والثلج يتساقط كرسائل إعتذار بيضاء على الأفق المظلم. داخل الغرفة، كانت المدفأة تبعث بدفء كاذب لا يصل إلى ركن قلب هاجر. جلست بجوار خالد، شريك دراستها وصديق روحها منذ الطفولة، وكانت عيناها المثقلتان بالهموم تراقبان بخار قهوتهما  وهو يتلاشى.
​همست هاجر بصوت يكاد يبتلعه صوت الريح: "أبي مصرّ يا خالد. يقول إن الأدب مجرد 'هواية' ترفيهية، وليس مسارًا للمستقبل. يريدني في كلية علمية  لأضمن وظيفة وراتبًا ، لأحظى بالإحترام. وكأن رواياتي التي تسهرني الليالي، وكلماتي التي أخطها هي... "ذنب."
​مدّ خالد يده ليحتضن كوبها البارد بين كفيه الدافئين، ثم نظر إليها بعمق، بعينين تحملان هدوء المهندس الذي يرى المسار الأوضح. "والدك يحبكِ يا هاجر، ويريد لكِ الأمان، لكنه يخلط بين الأمان المادي والأمان الروحي. هل تعتقدين حقًا أن النجاح يمكن أن يُبنى على التنازل عن جزء من الروح؟" صمت لبرهة، وهو يمسح على ظهر يدها. "أعرف كم تعني لكِ هذه الرواية التي تعملين عليها، 'أبواب المدينة المنسية'. لا تسمحي لصوت الخوف أن يكون أعلى من صوت الحكاية التي تنتظر أن تُروى."

​تنهدت هاجر وهي تسند رأسها إلى مسند الكرسي الخشبي. "الأمر ليس سهلاً. لقد جلست أمي معي اليوم طويلاً، تتحدث عن قسوة الحياة وضرورة الواقعية. قالت إن الفتاة يجب أن تكون عملية، وأن الأقسام الأدبية ما هي إلا مضيعة لوقت العباقرة مثلي، كما وصفتني ساخرة. لا أستطيع أن أواجههم جميعًا، يا خالد. أشعر أنني أقف وحيدة أمام جيش كامل من المنطق المادي."
​في تلك اللحظة، شعر خالد بغصة اليأس التي تخنق صوتها. كانت هاجر تملك موهبة سرد ساحرة، قدرة على بناء عوالم كاملة من الكلمات، ومحاولة إجبارها على دراسة شيء لا تحبه. كان بمثابة سجن لأجنحة طائر. تذكر خالد كيف كان يجد الراحة في رسوماتها الهندسية المتقنة عندما يواجه صعوبة في فهم معادلاته المعقدة، وكيف كانت هي أول من يقرأ فكرته عن مدينة المستقبل التي يحلم ببنائها.
 إنهما شريكان في الحلم، ولو بطرق مختلفة.
​"أنتِ لستِ وحدكِ أبدًا يا هاجر، وأحلامنا ليست للبيع أو التنازل." قالها خالد بصوت حازم، ثم نهض من مكانه بأتجاه زاوية الغرفة حيث يضع كتبه وأدواته. كان يعلم أن مجرد الكلام لن يكفي.
 فالحب الحقيقي  :  هو الفعل المادي الذي يحمي الشغف.
 "صندوق الأحلام المُشترك"
​عاد خالد حاملًا شيئًا مغطى بقطعة قماش قديمة. كان صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مصنوعًا من خشب السنديان الداكن، مزخرفًا بنقوش عتيقة باهتة. وضعه خالد على الطاولة بينهما، وأزاح عنه القماش ببطء كما لو كان يكشف عن كنز ثمين.

​"أتذكرين هذا الصندوق
 سأل خالد وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. "وجدته عند جدي في الورشة، كان يستخدمه لحفظ أدواته الثمينه. فكرت، لماذا لا نستخدمه نحن لحفظ أغلى ما نملك؟" فتح خالد غطاء الصندوق برفق، فظهر داخله فراغ صغير، مريح ومظلم.
​أمسك خالد بيد هاجر ونظر مباشرة في عينيها. "هذا هو صندوق أحلامنا المُشترك يا هاجر. أنا أعيش في عالم الهندسة ، أبنيه بالإسمنت والحديد، وأنتِ تعيشين في عالم الرواية، تبنيه بالكلمات والمعاني. 
والمستقبل، يا عزيزتي، ليس شهادة جامعية فقط؛ المستقبل هو  : 
المكان الذي تشعرين فيه إنكِ حية، إنكِ أنتِ."
​شعرت هاجر بشيء يتفكك داخلها، لم يكن مجرد كلمات مواساة، بل كانت خطة عمل، إعتراف علني بقيمة شغفها. إنها المرة الأولى التي تجد فيها شخصًا يرى حلمها بذات الأهمية التي يرى بها حلمه.
العهد والوديعة
​أخرجت هاجر من حقيبتها نسخة منقحة من مسودة روايتها، صفحة الغلاف بيضاء مكتوب عليها بخط يدها إسم الرواية: 
"أبواب المدينة المنسية". ترددّت لحظة، ثم أمسك خالد بالرواية بحنان، وقلبها بين يديه.
​"سأضع هنا أول وديعة." قال خالد، ووضع الرواية بعناية فائقة داخل الصندوق الخشبي. ثم أخرج من محفظته مطوية صغيرة، كانت عبارة عن مخطط هندسي دقيق لجسر معلق صممه بنفسه، وهو المشروع الذي يحلم أن يجعله أول بصمة له في عالم العمارة. وضع المخطط بجوار روايتها.

​"الآن، أصبح لدينا رهن مقدس. أنتِ أقسمتِ بالرواية وأنا أقسمتُ بالجسر." قال خالد وهو يغلق الصندوق. ثم تابع بعهد جازم: "لن تتوقفي أبداً عن الكتابة. هذا وعد. سأكون أول قارئ، وأول من ينتقد بحب، وأول من يصفق. والأهم من ذلك، أنا أعدكِ أنني سأبني لكِ يوماً مكتبة أحلام، مكتبة حقيقية، في مدينتي الهندسية التي سأصممها. مكتبة لكل رواياتكِ التي ستنيرين بها العالم."
​لأول مرة منذ أسابيع، شعرت هاجر بوميض أمل حقيقي يتسلل إلى قلبها. لم يكن خالد يطلب منها التمرد على أهلها أو خوض معركة خاسرة، بل كان يمنحها قوة الأختيار الداخلي.
​ القوة الداخلية ودفء الحب

​أدركت هاجر في تلك اللحظة أن الحب الذي يربطها بخالد ليس مجرد عاطفة، بل هو مرساة، هو شريك يتقبل ويحمي الشغف. لم يعد الصراع حول اختيار الكلية، بل أصبح عن حماية هذا الصندوق الصغير في وجه كل تحديات العالم الخارجي.
​نظرت إلى الصندوق الخشبي المغلق، ثم إلى خالد، الذي كان ينتظر ردها بملامح هادئة وواثقة. أرتسمت إبتسامة واسعة على وجهها، إبتسامة إنتصار صغيرة على اليأس.

​"سأدخل الكلية العلمية يا خالد." قالت هاجر بقرار لم تكن تتخيله قبل لحظات. "سأفعل ما يطلبه أهلي لأمنحهم السلام الذي يحتاجونه، ولكن..." شدت على يد خالد. "لن أسمح لهم بلمس ما بداخل هذا الصندوق. سأدرس العلم لأجل المستقبل المادي، وسأكتب لأجل المستقبل الروحي. وسأجعل من كل ليلة شتاء باردة، ورقة بيضاء جديدة في روايتي، حتى نصل معاً إلى تلك المكتبة في مدينتك الهندسية."

​كانت الريح لا تزال تعوي في الخارج، لكن دفء هذا العهد المشترك غمر الغرفة، وجعل من ليلة الشتاء القاسية بداية حلم جديد، حلم يتقاسمه قلبان مؤمنان بأن الشغف هو البوصلة الحقيقية للحياة.
 غمرت هاجر السعادة، فلطالما كانت تبحث عن حبيب، ووجدت شريكاً لحماية حلمها شريك يتقبل ويحمي الشغف .
وافر تحياتي 💐

عن الكاتب

ررر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا