الفرحانية
“يا يونس…
يا ابني الغايب في مدينة النور،
بعد ما قلتَ: رايح أتعلم في الجامعِ الأنور،
الأرضُ بعدك بقت بوار،
والريح مَلّت البيرَ رمل،
حتى صوت الأذان… بقى مسجّل.”
في الفرحانية...
أصبحَ الناسُ يصلّون طلبًا للمطر،
لا حبًّا في الله.
والشيخُ يوزّعُ الأذكارَ
مكتوبةً على ورقٍ مختومٍ بشعارِ الهيئة.
القريةُ...
اللي ناسها كانت تنتظرُ الخبزَ من المدينة،
تغني في الليلِ للرحمة،
وتُصفّقُ للصحنِ إذا أتى مملوءًا بالفضلِ والمنة.
أصبحَ الطينُ هناكَ يعرفُ الله أكثرَ منهم،
لأنّه إذا عطش... دعا،
وإذا ارتوى... سجد.
ثم جاء التاجرُ الغريبُ،
من بلادٍ تقولُ إنها تعرفُ معنى النور.
حملَ مصباحًا كهربائيًّا...
وقال لهم:
"سترونَ اللهَ أوضحَ بهذا!"
وجلبَ معهُ سليلَ التتار،
وألبسَهُ عباءةَ الوقار،
ليُعلّمَهم ترانيمَ العهدِ الجديد،
وليضعَ لهم نشرةَ تعليماتٍ
تُضعفُ الصحيحَ،
وتُقوّي الضعيف،
وتُكفّرُ من قالَ "لا".
ضحكوا، وصفّقوا، وباعوا النخلةَ القديمة
ليشتروا أسلاكًا جديدة.
وصارَ الضوءُ كثيرًا،
لكنّ الوجوهَ ظِلٌّ من زجاج.
في الفرحانية...
كانت الأرواحُ تبيتُ في الزوايا،
ثم صارتْ تُراجعُ ملفاتها في مقرٍّ رسميٍّ
تابعٍ لهيئةِ القولبة.
الفقيرُ لم يعد يعرفُ مَن يُطعمه،
الله؟ أم النظامُ الإلكترونيُّ للمساعدات؟
والإمامُ الجديدُ
يقرأُ من شاشةٍ خضراء،
صوتهُ نقيٌّ...
لكنّه بلا نبض.
حتى المقبرة...
صارَ لها تصريحُ دفنٍ رقميّ،
وعندما دُفنَ آخرُ الراحلين،
تلقّى الأهلُ رسالةً تقول:
"تمّ استقبالُ روحِ فقيدكم بنجاح."
ضحكتُ...
ثم بكيت.
في الفرحانية،
سقطَ الدينُ من أعلى المئذنة،
وتكسّرَ إلى لافتاتٍ مضيئة.
والإيمانُ، الذي كان يسكنُ القلوب،
غادرَ بصمتٍ...
إلى مكانٍ لا تصلُهُ البيانات،
ولا تمتدُّ إليه أيدي زبانيةِ كاهنِ التهريج،
الذي أقامَ معبدَهُ
على أنقاضِ مقامِ جدِّكَ الشريف.
“يا يونس…
لو رجعت، لا تسأل عن بيتنا،
اسأل عن الطين...
يمكن يكون لسه حافظ شكلنا.”
#الفرحانية